الأحد، 9 نوفمبر 2025

٣…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


قال إخوان الصفا : « واعلم ، أيها الأخ ، أن القربان كما ذكرنا قربانان : شرعي وفلسفي لا ثالث لهما . 
فأما القربان الشرعي فهو المأمور به في الحج من ذبح الحيوانات . . . وأما الفلسفي فهو مثل ذلك إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى اللّه سبحانه وتعالى بتسليمها إلى الموت وترك الخوف كما فعل سقراط لمّا شرب السم » « 3 » .
ومن المفيد أيضا أن نشير إلى ظاهرة أخرى تجمع الحلّاج وإخوان
..........................................................................................
( 1 ) الفهرست ، ص 270 - 284 .
( 2 ) نشوار المحاضرة ص 86 .
( 3 ) رسائل إخوان الصفا 4 / 208 .

« 35 »
الصفا في صعيد واحد . ذلك أن إخوان الصفا أشاروا ، في رسائلهم ، إلى أن لهم أعوانا ودعاة من طبقات الناس كلها من أولاء الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتّاب وأولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتنّاء ( المرابطين ) وأولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين وأولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس « 1 » . 
وذكروا أنهم يستطيعون معاونة أنصارهم بكل وسيلة عن طريق هؤلاء . 
« . . . وإذا عرفت منهم أحدا وأنست منهم رشدا فعرّفنا حاله وما هو بسبيله من أمور دنياه وطلب معاشه وتصرفه في حالاته لكي نعرف ذلك ونعاونه على ما يليق به من المعاونة . . . وإن كان ممن يرغب في العلم والحكمة والأدب وأمر الدين وطلب الآخرة علّمناه مما علّمناه اللّه عزّ وجلّ ، وألقينا إليه من
..........................................................( 1 ) أيضا 4 / 214 - 15 .
( 2 ) هامش تجارب الأمم 1 / 86 .
( 3 ) انظر كتابنا : الصلة بين التصوف والتشيع ص 370 .

« 36 »
حكمتنا وأطلعناه على أسرارنا بحسب ما يحتمل عقله وتتسع له نفسه وتتوق همّته - إن شاء اللّه عزّ وجلّ » « 1 » . يضاف إلى هذا أن الإسماعيلية بشّروا بمذهب جامع لا يضادّ عقيدة وإنّما يقبل كل شيء ثم يؤّوّله تأويلا يضعه ضمن عقيدته ، وهو ما فعله الحلّاج من إفادته من آراء الهنود والفرس ومذاهب المتكلمين والفلاسفة وأصحاب الكيمياء والطب والسحر « 2 » . ، واستغلها كلها في نشر عقيدته وكسب الناس إلى صفه . 
وهذا - في رأينا - هو تفسير ما نسب إليه من مخاريق لا بد أنه تعلّمها في الهند بلد السحر والمخرقة إلى يومنا هذا .
مهما يكن الأمر فقد كانت الأحوال السياسية غير مستقرة في بغداد وكان المجتمع العراقي يغلي بعد الانقلاب الفاشل الذي راح ضحيته ابن المعتز ورجال الدولة الممتازون سنة 296 هـ / 908 - 9 م ، هذا إلى قيام دولة زيدية في طبرستان ودولة فاطمية في تونس ، وتهديد القرامطة المستمر للعراق نفسه . وفوق هذا كانت الأحوال الاقتصادية سيئة والأرزاق محبوسة عن الجند والأسعار عالية « 3 » ، وكل ما في الدولة يدل على السقوط والانهيار .
..........................................................................................
( 1 ) رسائل إخوان الصفا 4 / 215 .
( 2 ) بالنسبة للطب والكيمياء انظر : صلة عريب ( ص 89 ) والمنتظم 6 / 16 ، ومرت الإشارة إلى السحر في خبر ابن تيمية . وعن إحراز الباحثين العرب والمسلمين من القدماء لهذه الثقافات الواسعة نثبت هنا نصا نقله أستاذنا الدكتور محمد طه الحاجري في كتابه ( الجاحظ : حياته وآثاره دار المعارف 1962 ، ص 170 ، عن مجموعة برلين من مختارات ، الجاحظ : ورقة 75 ) وصف فيه الجاحظ أستاذه إبراهيم بن سيار النظام بأنه « كان فرضيا عروضيا ، وكان حاسبا منجما وكان نسابا وكان حافظا للقرآن العظيم وتفسيره وللتوراة والإنجيل والزبور وكتب الأنبياء . 
وكان قد عالج الكيمياء وعرف مذاهبها ، وكان أروى الناس لكلام الأوائل ولصنوف نحل الإسلام ، وأحسن الناس احتجاجا وأبلغهم عند الاحتجاج لسانا . . . وكان صاحب حديث عالما وكان له نسك ، وخالط الصوفية وأصحاب المضمار وعرف اختلافهم ، وكان يقول الشعر إذا أراده ، وكان يستخرج المعمى ، وكان حسن العلم بالنحو » .
( 3 ) انظر مروج الذهب للمسعودي 2 / 396 .
« 37 »وفي سنة 299 هـ / 911 - 12 م ، وفي أيام وزارة ابن الفرات ( علي بن محمد بن موسى ، الذي قتل مصادرا سنة 312 هـ / 924 م ) ، الأولى أحست الدولة بالجهد الذي يبذله الحلّاج في الثورة عليها « 1 » ، أو إسقاطها من الداخل ، وذلك حين وشى به رجل من أهل البصرة كان من أنصاره وانفصل عنه « 2 » ؛ فجدّت الشرطة في البحث عنه دون جدوى ودامت المطاردة سنتين .
وفي سنة 301 هـ / 913 - 14 م ، قبض السلطان على غلام للحلّاج يعرف بالدبّاس « وأطال حبسه وأوقع به مكروها وخلّاه بعد أن كفله وأحلفه أن يطلب الحلّاج ، وبذل له مالا وكان يجول البلاد خلفه » « 3 » .
وفي هذه السنة كشفت امرأة النقاب عن وجود الحلّاج في السوس وذكرت للشرطة أنه « قد نزل في دار رجل يعرف بالحلّاج وله قوم يصيرون إليه في كل ليلة خفية ويتكلمون بكلام منكر . . . « 4 » » . وكان أن قبض عليه أبو الحسن علي بن أحمد الراسبي « 5 » . ( ت 301 هـ / 913 م ) الذي كان يتقلد من حدّ واسط إلى حد شهرزور وكورتين من كور الأهواز : جنديسابور والسوس ، وبادرايا وباكسايا « 6 » ؛ فكانت السوس ضمن أعماله .
ويبدو أن الراسبي سلم الحلّاج إلى حامد بن العباس ( الوزير الذي قتل الحلّاج في أيام وزارته ، وقتل هو مصادرا سنة 311 هـ / 924 م ) ، الذي كان يومئذ يلي واسطا ، وواجه الحلّاج عند محاكمته بقوله : « ألست تعلم أني قبضت عليك بدور الراسبي وأحضرتك ؛ فكيف ادّعيت بعدي الإلهية ؟ « 7 » » .
مهما يكن الأمر فقد قبض على الحلّاج في هذه المواضع ، ومعه أخو زوجته وانتهى الأمر بأن « حمل فأدخل مدينة السلام ( بغداد ) على جمل ومعه
..................................
( 1 ) انظر إشارة ابن النديم السابقة .
( 2 ) كتاب العيون والحدائق لمجهول ، على هامش تجارب الأمم ، 1 / 86 .
( 3 ) الفهرست ص 27 .
( 4 ) أيضا ، ص 284 .
( 5 ) المنتظم 6 / 162 . وقد ذكر ابن الجوزي قبل ذلك أن الذي قبض على الحلّاج هو عبد الرحمن خليفة علي بن أحمد الراسبي ، أي نائبه أو وكيله بلغة عصرنا ( 6 / 122 ) .
( 6 ) معجم البلدان لياقوت الحموي ، مادة « دور راسب » .
( 7 ) أربعة نصوص ، النص الأول ، ص 7 .

« 38 »
غلام له على آخر مشتهرين ونودي عليه : هذا أحد القرامطة فاعرفوه ، وحبس » « 1 » . وكانت القرمطة تهمة ليس عليها دليل مادي ، والظاهر أنها كانت أسرع التهم إلى الأفواه وأسهلها تسويفا ؛ فقد كان القرامطة أعداء العصر وكانت القرمطة تهمة العصر « 2 » .........................................
( 1 ) المنتظم 6 / 115 .
( 2 ) لقد كانت الدولة العباسية تخشى القرامطة إلى حدّ فقدت معه صوابها معهم ، ومن هنا لما هزم القرامطة سنة 291 هـ - 903 - 4 م وأسر منهم جماعة فيهم قائد لهم يسمى زكرويه ويلقب بصاحب الشامة ، تفنن المكتفي الخليفة في إهانته ورسم الخطط لقتله أفظع قتلة . 
وانتهى الأمر بأن « دخل المكتفي بغداد ، والأسرى بين يديه مقيّدون ورئيس القوم قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام ! » ( المنتظم 6 / 23 ) ، ولم يكتف المكتفي بذلك بل أمر « ببناء دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي ارتفاعها عشرة أذرع وبني لها درج . فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول ، أمر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة ، فحضرها الناس . 
وجئ بالأسرى - وهم يزيدون على ثلاثمائة - وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة فصعد به إلى الدكة وقدم له أربعة وثلاثون من الأسرى ، فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم واحدا بعد الآخر . ثم قدم كبيرهم فضرب مائتي سوط وقطعت يداه ورجلاه وكوي بالنار ثم أحرق ورفع رأسه على خشبة . ثم قتل الباقون وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى » ( المنتظم 6 / 23 ) .
وهذا نموذج من المثلة التي عاناها الحلّاج كلها كما يأتي .
والمهم أن الإسماعيليين أو الفاطميين - وكانوا أولياء القرامطة ومحركيهم - ذكروا هذا الحادث ونصوا على أن المقبوض عليه كان « أبا مهزول بن أبي محمد » وأنه وأخويه كانوا ينوون اغتيال الإمام لعزله إياهم عن قيادة الدعوة بعد موت أبيهم سنة 290 هـ - 902 - 3 م . 
وجاء الخبر هكذا : « ولما رجع القرمطي إلى بغداد شهر ونودي عليه ونصبت الدكة للمعتضد ( الصحيح المكتفي ) وفرش له البرمية حتى يشرف على قتله وهو يضرب بالسوط ، فقد كانوا يقولون : من أنت ؟ وأيش أنت أصلك ؟ ولمن كنت تدعو ؟ 
فقال لهم : ما أنا من أهل الرياسة ولا من أهل القرمطة ، إنما أمرني بالخروج رجل ، وهو فلان بن فلان من مدينة سلمية يعني المهدي عليه السلام - وهو من صفته كذا وكذا بصفته . وكتب صفته على ما وصف الملعون . 
ثم مات - لعنه اللّه - بالعذاب وأحرق بالنار » ( استتار الإمام : مذكرات في حركة المهدي الفاطمي لأحمد بن إبراهيم النيسابوري ، من إسماعيلية القرنين الثالث والرابع الهجريين / التاسع والعاشر الميلاديين ، نشر ، إيقانوف ، مجلة كلية الآداب ، ( القاهرة ، ديسمبر 1938 م ، ص 106 ) . وكان من رواج هذه التهمة في ذلك الوقت وبعده بقليل أن ابن الفرات ، الوزير الذي أمر بإلقاء القبض على الحلّاج لأول مرة ، قد اتهم بالقرمطة لما صودر - 
يتبع

تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11
 https://t.me/Tagleiatsofia

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم وفقنا لما تحب وترضي واعنا علي ما يرضيك عنا
وقربنا ممن تحب وحببنا اليهم وقربهم منا واعلي هممنا واصلح شأننا كله يا ارحم الراحمين

.ان غبت عنكم ولم ترونى

.ان غبت عنكم ولم ترونى
فهذه مشاركاتى ــ بالخير تذكرونى