الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025
حديث إذا سأل أحدكم فليكثر
الاثنين، 29 ديسمبر 2025
دعاء لا تجعلني جسراً لا يحمل نفسه
الأربعاء، 17 ديسمبر 2025
أبي يزيد البسطامي
إبن النفيس
الاثنين، 15 ديسمبر 2025
عبقرية منسية البيروني
الاثنين، 10 نوفمبر 2025
12…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
١٢ ــ شخصية الحلّاج بعد مقتله
شرح ديوان الحسين ابن المنصور الحلاج د. كامل مصطفى الشيبي استاذ بجامعة بغداد
شخصية الحلّاج بعد قتله
وجاور الحلّاج ربه بارّا بوعده ، وتبعه حامد بن العباس بعد سنتين مصادرا وثلّت المقتدر بعد حامد بتسع سنين .
وذهبت المصالح واختفت الشرطة والأعوان ، وأنزل الزمان ستاره على العصر كلّه ، وأمسى كل شيء في ذمة اللّه ، وعادت الأسماء الرنانة والأموال الطائلة والجيوش المجيشة ، وكذا الفقراء والجياع وأصحاب الطموح والأطماع حروفا تخطها ريشة الزمان على صفحات التاريخ . وأتيح للناس أن يتعرفوا إلى الحلّاج ومأساته على مهل ويبحثوا شؤونه بمعزل عن الرغبة والرهبة والحسد والغبطة والحبّ والكره .
وسرعان ما بدأت أخبار الحلّاج تجمع والكتب فيه تصنّف وآراء الناس فيه تسجل .
وبدل أن ينساق هؤلاء مع التيار الذي شقّ قناته أعداؤه من رسميين ومنافقين ومصلحيين ، وجّه هذا النبع إلى مجرى آخر يصفو في الماء ، وتتحلّل منه الشوائب فعاد ماء عذبا زلالا لذّة للشاربين .
وهكذا تحوّل كل ما يتصل بالحلّاج من خذلان ومؤاخذة ومساءة إلى عطف ونصرة وتبرير ، وترطبت حلوق الصوفية بعد أن جفّفها الرعب وارتفعت أصواتهم تهدر بعبارات قوية واضحة تزيل الغبار عن سجل الحلّاج المطموس وتغسل الدم عن وجهه المرفوع فوق الرمح في شوارع خراسان ، وتعيد إليه اعتباره وترفعه إلى مكانه اللائق به في رأيهم تحت شمس التاريخ .
وهكذا سمعنا أبا بكر الشبلي الذي قيل : إنه أعرض عن الحلّاج في أخريات أيامه لقوله : « أنا الحق » « 1 » ، يهتف بين جمع من الناس دون خوف أو
..........................
( 1 ) رسالة ابن القارح - مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، ط 3 ، ص 36 ، بدلالة
« 80 »
تردد : « كنت أنا والحلّاج شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت » « 1 » .
ووجدنا محمد بن خفيف ، الذي لعن الحلّاج من قبل ، يصفه بقوله : « الحلّاج عالم ربّاني » « 2 » . وغدا الفقهاء الذين حكموا بالإعدام يقولون بلسان أبي العباس بن سريج ، الفقيه الشافعي ( ت 306 هـ / 918 - 19 م ) - إذ سئل عنه - « هذا رجل خفي عنّي حاله وما أقول فيه شيئا » « 3 » .
وحوّل المعجبون بالحلّاج من صوفية ومن سواهم ، ساعات عذابه إلى لحظات من السعادة الروحية والتوفيق الإلهي ، ومن هنا قرن صبره بصبر أيوب ( ع ) « 4 » وألحق بالمعذبين من السابقين الأوّلين من المسلمين بروايتهم عنه أنه تحمل لسع السوط صابرا محتسبا سعيدا وأنه كان يقول مع كل جلدة « أحد ، أحد » « 5 » .
وشبّه الحلّاج في الشجاعة ببابك الخرّمي ، الثائر الفارسي المجوسي ( ق 223 هـ / 838 م ) الذي كاد يدكّ عرش المعتصم ، إذ روي أن الأوّل « لمّا لطّخ وجهه بالدم حين قطعت أطرافه » « 6 » . سوّغ ذلك بأنه إنّما « كان لئلا يظهر إلى عين العامة تغيّر مزاجه غيرة منه على الحق لمعرفته بهذا كله » « 7 » .
وبابك هو السابق إلى ذلك ، إذ لمّا قطعت يده لطّخ وجهه بدمه
......................
الفرق بين الفرق للبغدادي ( أبي منصور عبد القاهر بن طاهر ، ت 429 هـ / 1038 م ) ، مصر 1367 ه / 1947 م ، ص 157 - 8 . ومما يذكر هنا أن نص الرسالة المذكورة ناقص في هذا الموضع وقد بينا وجه ذلك وأشرنا إلى أشياء كثيرة من هذا القبيل في بحثنا « رسالة الغفران » في طبعتها الرابعة الذي نشر ناقصا في مجلة « المجلة » القاهرية ، من أعداد سنة 1968 م ، وكاملا في العددين التاسع والعاشر من السنة الثانية من مجلة البلاغ البغدادية .
( 1 ) انظر كتابنا « الصلة بين التصوف والتشيع » ط 2 ، ص 49 .
( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 112 ، وذكر الخطيب البغدادي هنا أن أبا العباس ( أحمد ) بن عطاء ( الأدمي ) البغدادي ومحمد بن خفيف الشيرازي وإبراهيم بن محمد النصر آباذي ، صححوا حاله ودوّنوا كلامه .
( 3 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ، مصر 1948 م ، 6 / 409 .
( 4 ) الفتوحات المكية لابن العربي الحاتمي الطائي ( محمد بن علي الحاتمي ، ت 638 هـ / 1241 م ) ، مصر 1293 م ، 4 / 182 .
( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 131 .
( 6 ) الفتوحات المكية 4 / 182 .
( 7 ) الفتوحات المكية 4 / 182 .
« 81 »
وضحك يري الناس « أنه لم يؤلمه القطع وأن روحه ليس تحسّ بشيء من ذلك » « 1 » . وفوق هذا كله إنّما كان أنصار الحلّاج في خراسان يرفعون من قدره بوصفه زعيما سياسيا عظيما ، فخاطبوه بعبارة « رب لأرباب » « 2 » إجلالا له . كما كانت رعية الأفشين ( خيذر بن كاوس الصّغدي ، القائد التركي المشهور الذي صلبه المعتصم مع بابك الخرّمي ) ، يكاتبونه وأباه وجدّه من قبله « 3 » . من قولهم ، في ديباجة رسائلهم إليهم : « إلى إله الآلهة من عبيده . . . » « 4 » .
وأوفى الحلّاج على الغاية لمّا قورن بالحسين بن علي بن أبي طالب أبي الشهداء في تضحيته وفدائه وبطولته « 5 » ومكانته ، لما ذكر أن صوفيّنا « لمّا وقع دمه على الأرض كتب : « اللّه اللّه » ، إشارة لتوحيده وإنما لم يكتب دم الحسين ذلك لأنه لا يحتاج إلى تبرئة » « 6 » .
حتى إلقاء رماد جثة الحلّاج في دجلة اقترن بأسطورة أريد بها الرفع من شأنه وتبديد الوقع السيّىء الذي يرسب منه في النفوس .
ولهذا ذكر المعجبون بالحلّاج أنه « لمّا ألقي رماده في دجلة ، ظهر على وجه الماء بدله عبارة : « أنا الحق » « 7 » .
وانتهى الأمر أخيرا بأن عدّ الحلّاج ثالث ثلاثة أحبّهم قوم فكفروا بحبّهم وأبغضهم قوم فكفروا ببغضهم ، والاثنان الآخران : عيسى بن مريم وعلي بن أبي طالب
......................
( 1 ) البدء والتاريخ للمقدسي 6 / 117 .
( 2 ) انظر مثلا التبصير في الدين للأسفرايني ( أبي المظفر شاهفور بن طاهر الشافعي ، ت 471 هـ / 1080 م ) ، مصر 1359 هـ / 1940 م ، ص 78 .
( 3 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 هـ / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 هـ / 1887 - 8 م ، 1 / 190 .
( 4 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 هـ / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 هـ / 1887 - 8 م ، 1 / 190 .
( 5 ) انظر : تراجم القرنين ( السادس والسابع الهجريين ) لأبي شامة ( أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل ، 599 - 665 هـ / 1202 - 1267 م ) ، مصر 1366 هـ / 1947 م ، ص 18 - 19 .
( 6 ) الكواكب الدرية لعبد الرؤوف المناوي 2 / 25 . وقد بولغ في ذلك بمصر سنة 596 هـ / 1199 - 600 م . حتى فضل الحلّاج على الحسين السبط ، فما كان من شهاب الدين محمد الطوسي الذي توفي في هذه السنة ، إلا أن قال : « كيف يجوز هذا ؟ قطرة من دم الحسين أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلّاج . فلما قال السائل : قدم الحلّاج كتب على الأرض : اللّه ، ولا كذلك دم الحسين ، فقال الطوسي : المتهم يحتاج إلى تزكية » ( تراجم القرنين ، ص 18 - 19 ) .
( 7 ) تاريخ كزيدة لحمد اللّه المستوفي القزويني ، ص 776 .
« 82 »
علي بن أبي طالب « 1 » .
وهكذا يعدّ الزعم بأن الحلّاج لم يقتل أمرا مألوفا في مثل هذه الظروف العاطفية ، ومن هنا ذكر أن القتل وقع على « دابة » « 2 » مرة و « بغلة » « 3 » مرة أخرى ، وتواضع قوم فذكروا أنه وقع على رجل ألقي عليه شبهه « 4 » .
وبعد هذا جرؤ قوم على الزعم بأنهم سمعوا الحلّاج يقول لأصحابه : « لا يهوّلنّكم هذا فإنّي عائد إليكم بعد ثلاثين يوما » « 5 » . وتمشّيا مع هذه القصة ذكر ابن الأثير أن « بعضهم » قال : « لقيته على حمار بطريق النهروان ( ماضيا من العراق إلى إيران قاصدا خراسان طبعا ! ) وأنه قال لهم : « لا تكونوا مثل هذا البقر ( الصحيح : النفر ) الذين يظنون أنني ضربت وقتلت » « 6 » .
ومن الطبيعي أن تتداعى هذه الصور إلى الرجعة والمهدية ؛ وهذا شيخ المعرّة ( ت 449 هـ / 1057 م ) يخبرنا أن « الصوفية ، اليوم ، من يرفع شأنه ويجعل مع النجم مكانه . وبلغني أن ببغداد قوما ينتظرون خروجه وأنهم يقفون بحيث صلب على دجلة ، يتوقعون ظهوره . . . » « 7 » . وهكذا ارتفعت اللعنة والسخرية والنقمة وحلّت الرحمة والإعجاب والحب والتقدير .
ذلك أن من يبذل دمه ثمنا لما يدين به لن يعقد صفقة خاسرة ، فالقتل جدّ ليس بعده جدّ ، وهو عند الناس برهان ساطع على الصدق والإخلاص ومجلبة للعطف والاحترام والاهتمام .
ولولا تضحية المسيح ما انتشرت المسيحية هذا الانتشار ، ولولا قتل ميرزا محمد الباب ما قامت للبهائية قائمة في العصر الحديث ، عصر العلم والعقل والبرهان .
.......................
( 1 ) الحلّاج شهيد التصوف الإسلامي ، لطه عبد الباقي سرور ، مصر 1961 م ، ص 254 عن اليافعي .
( 2 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 3 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 453 .
( 4 ) الفرق بين الفرق للبغدادي ، ص 159 ، وفي تجارب الأمم أن أصحاب الحلّاج ادعوا أن المضروب « كان عدوا للحلّاج ألقي شبهه عليه » ( 5 / 79 ) .
( 5 ) تاريخ بغداد 6 / 164 . وهذا يذكر بصعود موسى الجبل لميقات ربه ( البقرة 2 : 51 ) .
( 6 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 7 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 454 .
« 83 »
وأطرف ما نختم به هذه المعاني ما حكي من أن « الحلّاج كانت له أخت تخرج من البيت كل ليلة . فتعقبها يوما فرأى حورية من حوريات الجنة تسقيها كأسا من شرابها ، ولما طلب الحلّاج جرعة لنفسه ، حذرته أخته من قصوره عن تحمل أثرها وخوّفته من الهلاك بسببها .
لكن الحلّاج أصرّ ، فسقي بضع قطرات من تلك الكأس ، فكان قوله : « أنا الحق ، من عقابيل هذه الجرعة » « 1 » .
وتستمر هذه الأسطورة في مصاحبة الحلّاج في تفصيلات محاكمته وقتله لتروي أنه « لمّا رفع الحلّاج إلى المشنقة ، افتقده الناس فلم يجدوه ثم ظهر متربعا في الهواء ! وكلما سعى أمراء الغضب في القبض عليه اقترن سعيهم بالإخفاق . وفي أثناء هذه الاضطرابات فارقت روح الحلّاج بدنه وارتفعت إلى الجنة حيث لقيت النبي ( صلى عليه وسلم ) .
وبعد أن تلقت التهنئة على درجة الوصال ( التي نالتها ) . . . طلب إليها النبي ( صلى عليه وسلم ) أن ترضى بالقتل حفظا لظاهر الشريعة . وسمعت روح الحلّاج لقول النبي ( صلى عليه وسلم ) فعادت إلى الأرض وبذلت بدنها ليقتل قتلا ظاهريا » « 2 » .
وصورت هذه الحكاية بألوان أزهى لمّا ذكر العطار الأردستاني أن الحلّاج حين حبس حبسا انفراديا ، وذلك بعد رفضه الرجوع عن آرائه شرطا لإطلاق سراحه ، زاره الصوفية ثلاث ليال سويا ، ففي الأولى افتقدوه فلم يجدوه ، وفي الثانية وجدوه ولم يروا السجن ، وفي الثالثة غاب هو والسجن عن عيانهم ! ولما سئل عن ذلك قال : كنت في الليلة الأولى في الحضرة ( الإلهية ) ، وفي الليلة الثانية كان الحق ( تعالى ) هنا ! ومن هنا غاب السجن عن العيان .
واليوم أعادني الحق إلى سجني حفظا ( لظاهر ) الشريعة فتعالوا وافعلوا ما أمرتم « 3 » .
ولما حانت ساعة التنفيذ كان الحلّاج كلما ضربوه عصا سمعوا صوتا فصيحا يقول له : ولدي منصور ، لا تخف » « 4 » .
..............................
( 1 ) تاريخ إيران للسير جون مالكولم وترجمة ميرزا حيرت ( إلى الفارسية ) ، ص 204 .
( 2 ) أيضا ، ص 205 .
( 3 ) محفل الأوصياء للأردستاني ( علي أكبر حسين ، والنسخة مكتوبة سنة 1043 هـ / 1633 - 4 م ، خزانة دائرة الهند بلندن ، المخطوط إيته 645 ، ورقة 265 ب ، تذكرة الأولياء للعطار ، طهران 1321 هـ / 1942 م ، 2 / 113 ، وانظر عطار نامه للدكتور أحمد -
( 4 ) محفل الأوصياء للأردستاني ( علي أكبر حسين ، والنسخة مكتوبة سنة 1043 هـ / 1633 - 4 م ، خزانة دائرة الهند بلندن ، المخطوط إيته 645 ، ورقة 265 ب ، تذكرة الأولياء للعطار ، طهران 1321 هـ / 1942 م ، 2 / 113 ، وانظر عطار نامه للدكتور أحمد -
« 84 »
المعتذرون عن الحلّاج المسوّغون لأقواله :
وبقطع النظر عن إحاطة الحلّاج بهذه الهالة من الأساطير تصدّى لتسويغ المآخذ عليه والاعتذار عنه والرفع من شأنه والائتمام به جماعة من عظماء التاريخ الإسلامي في طول العالم الإسلامي وعرضه من : صوفية ومتكلمين وفلاسفة ومفكرين وغيرهم ؛ فبالإضافة إلى محمد بن خفيف ، تطوع أبو سعيد بن أبي الخير ، شاعر الرباعيات الفارسي ( ت 440 هـ / 1048 - 49 م ) يقول : « في اليوم الذي قال ( الحلّاج فيه ) : أنا الحق ، أين كان ؟ لقد كان ( هو ) اللّه اللّه » « 1 » .
وقد ذكر في تضاعيف حركة الحلّاج أن محمد بن داود الظاهري الأصفهاني ، صاحب كتاب الزهرة ( ت 297 هـ / 909 - 10 م ) ، كان من ألدّ أعدائه الأوائل وكان يقول في التعبير عن موقفه منه : « إن كان ما أنزل اللّه على نبيّه حقا فما يقول الحلّاج باطل » « 2 » ، وهي عبارة ما لبثت أن وجدت نقضا عليها على لسان أبي القاسم إبراهيم بن محمد النصر آبادي الصوفي ( ت 367 هـ / 977 - 8 م ) في قوله : « إن كان بعد النبيين الصدّيقين موحّد فهو الحلّاج » « 3 »
وكان موقف الأشاعرة الأول معاديا للحلّاج فوقع فيه وردّ عليه منهم الباقلاني ( محمد بن الطيب ، ت 403 هـ / 1013 م ) ، والبغدادي صاحب « الفرق بين الفرق»، وتلميذه الأسفرايني، صاحب « التبصير في الدين » ( وقد أكثرنا من النقل منهما ).
وجاء في كتاب البغدادي الآخر « أصول الدين » قوله : « وقد اشتمل كتاب تاريخ الصوفية [ الضائع ] لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من شيوخ الصوفيد ما فيهم واحد من أهل الأهواء ، بل كلّهم من أهل السنّة سوى ثلاثة منهم : أحدهم أبو حلمان الدمشقي ، فإنه تستّر
................................
ناجي القيسي ، بغداد 1388 هـ / 1968 م ، ص 461 ( باب في مناقب . . . الحلّاج للعطار ) ، والنص هنا ترجمة حرفية لما ورد في التذكرة ، والنص الذي أثبتناه من ترجمتنا .
( 1 ) مجموعة نصوص غير منشورة تتعلق بتاريخ التصوف ، جمعه ونشره ماسينيون ، باريس 1929 م ، ص 88 .
( 2 ) شذرات الذهب لابن العماد 2 / 255 .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير 11 / 132 .
« 85 »
بالصوفية وكان من الحلولية ، والثاني الحسين بن منصور الحلّاج وشأنه مشكل ، والثالث القنّاد : اتهمته الصوفية بالاعتزال فطردوه لأن الطيب لا يقبل الخبيث » « 1 » . ولما كتب القشيري ( أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ، ( ت 465 هـ / 1074 م ) رسالته في الدفاع عن الصوفية ورفع تهمة الزندقة عنهم - وكان أشعريا - « ما ذكر الحلّاج للخلاف الذي وقع فيه حتّى لا تتطرق التهمة لمن وقع ذكره من الرجال في رسالته » « 2 » .
أما إمام الحرمين الجويني ( عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف ) ، ( ت 478 هـ / 1085 م ) ، أستاذ الغزالي ، محمد بن محمد الطوسي ، ( ت 505 هـ / 1111 م ) ، فقد تورّط في خصومة الحلّاج جهلا به حتى جمعه في مؤامرة على قلب نظام الحكم العباسي مع ابن المقفع الذي قتل قبله بنحو مائة وخمسين سنة - والجنابي ( أبي سعيد ، ت 301 هـ / 913 - 14 م ، أو أبي طاهر الذي نقل الحجر الأسود من مكة إلى هجر ( ت 318 هـ / 939 - 40 م ) .
وذلك في كتابه « الشامل في أصول الدين » « 3 » . الذي نشر ثلثه الباقي أستاذنا الدكتور علي سامي النشار بالتعاون مع تلميذيه فيصل بدير عون وسهير محمد المختار في الإسكندرية سنة 1969 م وليس فيه هذا الخبر « 4 » .
.................................
( 1 ) أصول الدين ، إسطنبول 1928 ، ص 315 - 16 .
( 2 ) أخبار الحلّاج ، الرسالة الرابعة ، هامش ص 22 ، وهذا هو كلام ابن العربي الحاتمي الطائي منقولا من الفتوحات المكية .
( 3 ) انظر : الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي ، الجزء الثاني ، طبع دار الكتب المصرية 1936 م ، ص 75 ، وراجع البداية والنهاية لابن كثير ( 11 / 143 - 44 ) وانظر ترجمة الحلّاج في وفيات الأعيان لابن خلكان .
( 4 ) الجزء المنشور من كتاب الشامل يتضمن ثلاثة أبواب أو كتب بتقسيم المصنف وهي :
كتاب النظر وكتاب التوحيد وكتاب العلل ، وبقي منه كتب ( فصول ) : الصفات والإرادة والقدر والنبوات وإبطال القول بالتولد والرد على الطبائعيين والتعديل والتجوير . ولعل خبر الحلّاج موجود ضمن كتاب التنبؤات كما فعل القاضي عبد الجبار في الجزء الخاص بالتنبؤات والمعجزات من كتابه « المغني في أبواب التوحيد » وقد جاء في المقدمة أن معهد المخطوطات العربية في القاهرة يحتفظ بملخص للشامل اسمه « الكامل في اختصار الشامل » ومختصر لهذا اسمه « مختصر الكامل » وتحتفظ به مكتبة جامعة الأزهر فلا بد أن الخبر المذكور وارد في الأول منهما ( انظر مقدمة الشامل ص 87 ) .
« 86 »
لكن هذا الموقف تغير تماما حين تشمّر الغزالي للدفاع عن الحلّاج في كتابه « مشكاة الأنوار » « 1 » حيث اعتذر عنه وحمل أقواله التي أوخذ عليها ، من نحو قوله : أنا الحق ، على محامل حسنة ، وبرر ذلك بأنه إنما كان « من فرط المحبة وشدة الوجد » فأثار بذلك اهتمام المصنفين « 2 » .
أما الحنابلة فقد راح الحلّاج عندهم لمعارضته الدولة مثلهم ولوقوف ابن عطاء إلى جانبه ، ثم يبدو أن الأمور قد تغيّرت في ما بعد بحيث وجدنا أحد الحنابلة وهو أبو الوفاء علي بن محمد بن عقيل العقيلي ( ت 513 هـ / 1119 - 20 م ) يتوب عن الاعتزال ويقرن ذلك بإعلانه أنه « رجع عن اعتقاده كون الحلّاج من أهل الحق والخير وأنه قد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك وأن الحلّاج قتل بإجماع علماء أهل عصره على زندقته وأنهم كانوا مصيبين في قتله وما رموه به » « 3 » ، وحدث هذا سنة 465 هـ / 1072 م « 4 » .
وعاد الموقف فانقلب من جديد في صالح الحلّاج وذلك حين تصدى الشيخ عبد القادر الجيلي ( بن موسى بن عبد اللّه الحنبلي ، ت 561 هـ / 1166 م ) لتصحيح أقوال الحلّاج والدفاع عنه دفاعا مجيدا وذلك في قوله : « عثر الحلّاج فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده ، ولو كنت في زمنه لأخذت بيده » « 5 » .
ومن أقوال الجيلي في هذا المجال أيضا : « طار واحد من العارفين إلى أفق الدعوى بأجنحة : « أنا الحق » . رأى روض الأبدية خاليا عن الحسيس والأنيس . صفر بغير لغة تعريضا لخيفة ( لحتفه ) . ظهر عليه عقاب الملك من مكمن :إِنَّ اللَّهَ نعني( غَنِيٌّ ) عَنِ الْعالَمِينَ، ( آل عمران 3 / 97 ) . أنشب في إهابه مخلاب :كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، ( أيضا 3 / 185 ) قال له : شرع سليمان الزمان ( كذا ) ثم تكلمت بغير لغتك ثم ترنمت بلحن غير معهود من
..................................
( 1 ) انظر مثلا : مرآة الجنان لليافعي ( أبي محمد عبد اللّه بن أسعد ، 698 - 768 هـ / 1298 - 1367 م ) ، ط حيدر آباد 1918 - 20 م ، 2 / 253 ، تاريخ ابن الوردي 1 / 257 ، روضات الجنات للخوانساري ( محمد باقر ت 1313 هـ / 1895 م ) ، طهران 1307 هـ / 1889 - 90 م ، ص 226 .
( 2 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 3 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 4 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 5 ) مرآة الجنان لليافعي 2 / 254 .
« 87 »
11 …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
الأحد، 9 نوفمبر 2025
١٠ـ…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
٩ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
٨…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
٧ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
٦…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
٥ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي
( 5 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 .( 6 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 .( 7 ) المنتظم 6 / 156 .« 47 »بالترفيه عن الجياع بل سرعان ما استغاث العمّال وجميع أصحاب الأرزاق بأنه [ علي بن عيسى وكيل حامد بن العباس ] حطّ من أرزاقهم شهرين من كل سنة ، فكثرت الفتنة على حامد « 1 » . ومع هذا كله بقي حامد في دست الوزارة إلى سنة 311 هـ / 924 م « 2 » . فكان من سوء حظه أن وقع دم الحلّاج في رقبته . وقد صار الحلّاج شهيد الصوفية وراصّ بنيان التصوّف على مرّ العصور ، وباء حامد بن العباس بالفضيحة وسوء الصيت ، وغدا اسمه مقترنا بالحلّاج كما اقترن اسم هابيل بقابيل واسم يزيد بالحسين واسم يهوذا الأسخريوطي بالمسيح ( ع ) .وإذا عدنا إلى الحقائق المتصلة بالسنين الأخيرة للحلّاج وجدناه ينقل من سجن إلى سجن خشية إنقاذ أتباعه له حتى استقر به الاعتقال في حبس منيع ، في ما يبدو ، ليكون تحت مراقبة الشرطة حتى يفصل في أمره . ويبدو أنه لم يكن رهن الاعتقال في ما دعي عندئذ بالسجن الجديد ، وهو السجن الذي حدث فيه الشغب سنة 306 هـ المذكورة ، وفرّ منه كثير من السجناء .ولهذا أشار ماسينيون - دون دليل - إلى « أن الحلّاج رفض الفرار من حبسه » « 3 » . والظاهر أنه كان قبل ذلك في « دار السلطان » ، أي دار الخلافة كما يفهم من سياق الحوادث .
وفي المعتقل الجديد ظهرت مواهب الحلّاج وبراعاته من « حسن عبارة وحلاوة منطق وشعر على طريقة التصوف » « 4 » .
ووجد الحلّاج في السجن طمأنينته وهدوء نفسه ، فانصرف إلى العبادة حتى قيل إنه « استمال أهل الحبس
................................
( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 373 .
( 2 ) المنتظم 6 / 180 .
( 3 ) المنحنى الشخصي للحلّاج ( ضمن شخصيات قلقة في الإسلام ص 75 ) . ولم يعين ماسينيون مصدر هذه الواقعة وما نعرفه من ذلك يتصل بقصة أسطورية جاءت في تذكرة الأولياء للعطار ( 2 / 113 ) ومحفل الأوصياء ( للأردستاني : علي أكبر حسين ، من رجال القرن الحادي عشر الهجري [ السابع عشر الميلادي ] ، مخطوط دائرة الهند بلندن رقمEthe45G، ورقة 265 ب ، وفيها الحلّاج كسر قيود ثلاثمائة سجين ممن كانوا ينزلون السجن معه وأطلقهم من السجن دون أن يفعل هو فعلهم رضي بالمصير الذي اختاره له اللّه .
( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 112 .
« 48 »
بإظهار السنة فصاروا يتبرّكون به » « 1 » . وفوق هذا شغل الحلّاج نفسه بالتصنيف ؛ فعلاوة على كتاب « الطواسين » ، لا شك أنه كتب في السجن كتاب « السياسة والخلفاء» الذي ربما صنفه للمقتدر نفسه « 2 »، وكتاب « الدرّة » «3».
الذي صنّفه باسم نصر القشوري ، حاجب المقتدر؛ وكتاب « السياسة » الذي صنفه باسم الحسين بن حمدان « 4 »، القائد الذي قتله الخليفة بوشاية حامد بن العباس سنة 306 هـ / 918 - 19 م « 5 ».
وبهذا يتبين أن الحلّاج استمال موظفي القصر أيضا في فترة سجنه هذه ، وكان أولهم نصر القشوري الذي تسكت كتب التاريخ والسير عن ترجمته ( ت 316 هـ / 928 م ) « 6 » .
وقد ذكر - في ما يتصل بالصداقة التي توطدت أواصرها بين الحلّاج ونصر القشوري ، حاجب المقتدر - أنّ الأول « استغوى » الثاني « من طريق الصلاح والدين مما كان يدعو إليه » « 7 » ، وهو تعبير صاغه خصم لكنه يشفّ عن الجاذبية التي كان يتمتع بها الحلّاج حيال المحايدين من الناس ممن لا يدفعهم دافع ؛ من أوّل نظرة إلى الخصومة والتشنيع .
ولعلّ عبارة عريب القرطبي أدنى إلى أن خزانة علي بن عيسى الوزير كانت تحتوي على « دفتر منسوب إلى الحلّاج فيه آداب الوزارة » .
...............................
( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 112 .
( 2 ) الفهرست لابن النديم ص 272 .
( 3 ) ذكر الصابي ( أبو الحسن الهلال بن المحسّن ، 359 - 448 هـ / 970 - 1056 م ) في كتابه « الوزراء » ، ( أو « تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء » ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ، مصر 1958 ) ، ص 231
..................................
فلعل هذا يرجّح تصنيف الكتاب باسم الخليفة ، وإن كان تصنيفه باسم الوزير عندنا أرجح تألفا لقلبه أو اعترافا بجميله لعدم إعدامه سنة 301 هـ لما قبض عليه والاكتفاء بالتشهير به ثلاثة أيام ، على نحو ما مر ، باعتبار هذا العقاب الحد الأدنى الذي لم يمكن فرض أقل منه على الحلّاج استجابة لضغط الحكومة .
( 4 ) الفهرست ص 272 .
( 5 ) الفهرست ص 272 .
( 6 ) قال فيه ابن الجوزي : « حجب المقتدر باللّه وتقدم عنده وكان دينا عاقلا . وخرج إلى لقاء القرامطة محتسبا [ ومتطوعا مجاهدا ] فأنفق من ماله مائة ألف دينار إلى ما أعطاه السلطان ، فاعتل في الطريق ومات في هذه السنة ( 316 هـ ) فحمل إلى بغداد في تابوت » ( المنتظم 6 / 220 ) .
( 7 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 370 .
« 49 »
التعبير عن هذه الصلة الودّية بإفراغها في قوله : « وادّعى قوم أن نصرا مال إليه » « 1 » . لكن من الثابت أن نصرا كان يميل إلى الحلّاج إلى درجة الولاء وأنه ذهب في حمايته إلى حدّ مخاصمة علي بن عيسى في سبيله « 2 » .
وتطورت هذه المودّة إلى مدى بعيد ساغ معه لنصر القشوري أن يسمي الحلّاج بالشيخ الصالح « 3 »، وأن يقصد إلى دار الخليفة مستأذنا في « أن يبني له بيتا في الحبس » « 4 » .
وانتهى الأمر إلى أن ( بني له دارا بجنب الحبس وسدّوا باب الدار وعملوا حوله سورا وفتحوا بابه إلى الحبس ، وكان الناس يدخلون عليه قريبا من سنة . . . » « 5 » . وكانت الحجة الظاهرة لهذه الحماية ما قيل من أنّ نصرا كان يسبغها على الحلّاج لأنه « سنّي وإنما تريد قتله الرافضة ! » « 6 » ، وهي حجة واهية متهافتة أريد بها تسويغ هذه الحماية تسويغا طائفيا يغطي على براءة الحلّاج مما رمي به من تهم ظاهرها ديني وباطنها سياسي بحت .
وكان للحلّاج حام آخر في القصر هو أمّ المقتدر : شغب ، وكانت أم ولد من جواري المكتفي « 7 » ولقبت بالسيدة في أيام ولدها ، في ما يبدو ، لئلا تسمى باسمها « 8 » الصارخ الدلالة على ماضيها . وكانت « السيدة » ذات شخصية
..........................
وتمتلك الوقف . . . فقال لأم موسى القهرمانة [ لعلها ثمل الماضية ] : تقولين لأم المقتدر السيدة . اتقي اللّه ، هذا واللّه ما لا طريق إليه » . وقد ذكر ابن الجوزي أن المقتدر نفسه تدخل أيضا ليمنع ذلك ولم يرضه .
« 50 »
طاغيةقوية ، تتدخل في شؤون الدولة وتفرض رأيها فرضا ، وقد مرّ كيف أنها أسست مجلسا للمظالم . وواضح أن هذه السيدة التركية ، في ما يبدو ، كانت عامية العقلية تتأثر بمظاهر الصلاح كتأثّر العوامّ البسطاء وتأثّر الرجال في دار السلطان الذين « مالوا [ إلى الحلّاج ] وصاروا يتبركون به ويستدعون منه الدعاء » « 1 » .
ولهذا تحركت عاطفة الأمومة في « السيدة » لما « حمّ المقتدر وافتصد وبقي محموما ثلاثة عشرة يوما » « 2 » سنة 303 هـ / 916 م .
هنا رجا نصر القشوري الحلّاج أن يدخل على الخليفة « فرقّاه . . . . فاتّفق زواله عنه وكذلك وقع لوالدة المقتدر : السيدة ، فرقّاها فزالت عنها » « 3 » .
وقصة مثل هذه معقولة ومناسبة لمجرى الأحداث ؛ ويؤكدها أنّ نصرا والسيدة حاولا منع المقتدر من إعدام الحلّاج بعد صدور الحكم ، دون جدوى ، « فحمّ المقتدر يومه فازداد نصر والسيدة افتنانا وتشكك المقتدر فيه » « 4 » .
وهكذا عاش الحلّاج ناعم البال في قصر الخليفة - وإن كان يحسّ الأخطار تتهدده كل يوم من قبل حامد ورهطه . وجاءت النهاية في سنة 309 هـ / 922 م في ظروف عصيبة جابهتها الدولة من الشعب الثائر والجيش الشاغب والضمان الملغى لحامد الوزير بفعل ثورة الشعب والجيش .
وقد حاول حامد بن العباس أن يقمع الشعب ، وكان جلّه من الحنابلة الذين نما عددهم باضطراد من أيام انتصار أحمد بن حنبل على المعتزلة ونصرة المتوكل له قبل هذا التاريخ ، وفي سنة 232 هـ / 846 م بالتحديد .
وتحقيقا لهذا الغرض « أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري [ المؤرخ المشهور ، ت 310 هـ - 922 م ] إلى دار علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة ، فحضر ولم يحضروا فعاد إلى منزله . . . »
.............................
( 1 ) المنتظم 6 / 130 .
( 2 ) أيضا : 6 / 131 .
( 3 ) البداية والنهاية 11 / 140 ، وانظر المنحنى الشخصي للحلّاج من كتاب شخصيات قلقة في الإسلام ( ص 72 ) حيث أضاف ماسينيون إلى هذا إحياء الحلّاج لببغاء كان لولي العهد نقلا عن صلة عريب ( هـ . ص 92 ) ، وكأنه قصة حقيقية .
( 4 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .
« 51 »
والعشرين ، اتجه إلى قطاع آخر من العامة يدين بالولاء للحلّاج والصوفية على العموم من أصحاب القيم الروحية ، وكان كثير منهم يدين بمذهب ابن حنبل ، كصديق الحلّاج وتلميذه أحمد بن عطاء الأدمي « 4 » الذي ولم يغفر الحنابلة للطبري موافقته على مناظرتهم باعتبارها ضربا من المعارضة والتحالف مع الدولة على اضطهادهم
...........................
( 1 ) المنتظم 6 / 159 .
ومن هنا ، لما مات في سنة 310 هـ / 923 م « دفن ليلا . . . لأن العامة اجتمعوا ومنعوا من دفنه بالنهار وادّعوا عليه الرفض ثم ادعوا عليه الإلحاد ! » ( المنتظم 6 / 172 ) .
وقد شرح ابن الجوزي هذه التعقيدات بأن الطبري كان يرى جواز المسح على القدمين ولا يوجب غسلهما ( كالشيعة ) فلهذا نسب إلى الرفض ( أيضا ) .
( 2 ) المنتظم 6 / 159 .
( 3 ) أيضا : 6 / 159 .
( 4 ) انظر مثلا أخذه عن الفضل بن زياد صاحب أحمد بن حنبل في تاريخ بغداد 5 / 26 وراجع المنحنى الشخصي للحلّاج من كتاب « شخصيات قلقة في الإسلام » ص 76 .
منقطع عن الدنيا منذ ثماني سنوات يزوره الناس من الطبقات كافة ، ويتوسلون إليه في الدعاء لهم ، ويتزاحمون على رؤيته والسماع منه . وهكذا انضم حامد إلى موكب الحاسدين الحاقدين على الحلّاج وجعل يتحيّن الفرص للإيقاع به وعيّن له غلاما من غلمانه لمراقبته انتظارا للفرصة « 3 » .
وجاءت اللحظة التي طال انتظارها . فقصّ علينا ابن زنجي - نجل
.............................
( 1 ) ذكر ابن الجوزي أنه توفي في ذي القعدة في ( المنتظم 6 / 160 ) .
( 2 ) ذكر ابن أبي الحديد ( عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني ، ت 655 هـ / 1258 م ) في شرح نهج البلاغة ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، مصر 1959 - 1964 م ، 11 / 141 ) أنه « كان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر وعلي بن عيسى الجراح وزيره أيضا على الحلّاج أنهما وجدا في كتبه لفظ النور الشعشعاني وذلك لجهالتهم مراد القوم واصطلاحهم ومن جهل أمرا عاداه »( 3 ) تأتي الإشارة إلى المرجع في ما بعد .
« 53 »
الإداري الذي عيّن مساعدا لحامد - تفاصيلها بقوله : « كنت أنا وأبي يوما بين يدي حامد إذ نهض مسرعا من مجلسه .
وخرجنا إلى دار العامة وجلسنا في رواقها وحضر هارون بن عمران الجهبذ بين يدي أبي ، ولم يزل يحادثه .
فهو في ذلك إذ جاء غلام حامد ، الذي كان موكلا بالحلّاج ، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه ، فنهض مسرعا ونحن لا ندري ما السبب .
فغاب عنا قليلا ثم عاد وهو متغير اللون جدّا . فأنكر أبي ما رأى فسأله عن خبره فقال : دعاني الغلام الموكل بالحلّاج فخرجت إليه فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسمه أن يقدم إليه في كل يوم فوجده قد ملأ البيت بنفسه فهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه حتى ليس فيه موضع ! فهاله ما رأى ورمى بالطبق من يده وعدا مسرعا ، وأنّ الغلام ارتعد وانتفض وحمّ . فبينما نحن نتعجب من حديثه إذ خرج إلينا رسول حامد وأذن في الدخول إليه ، فدخلنا .
وجرى حديث الغلام ، فدعا به فإذا هو محموم . وقصّ عليه قصّته فكذّبه وشتمه وقال : فزعت من نيرنج الحلّاج [ ! ] وكلاما في هذا المعنى - لعنك اللّه أغرب عني . فانصرف الغلام وبقي على حالته من الحمى مدة طويلة » « 1 » .
وعدّ حامد بن العباس هذا العمل من الحلّاج ، عبثا به هو شخصيا ومحاولة للنفوذ إلى جماعة غلمانه لصرفهم عنه والتآمر عليه ؛ فكان ذلك في مثل هذه الظروف الحرجة تحدّيا سافرا من الحلّاج وفرصة ذهبية لحامد بن العباس يشفي بها صدره ويثأر لكرامته التي نالت منها العامة .
وحشد حامد طاقاته كلها يجمع خيوط الاتهام لينسج منها شبكة يوقع فيها
..................................
( 1 ) تجارب الأمم لمسكويه ص 79 - . 80 وقد وصف المناوي ( أبو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي الحدادي ، ت 1031 هـ / 1622 م ) ، هذه الظاهرة بالتطوّر وقال « وكان شأنه التطور فلما طلب للقتل تطور في البيت فملأه ، فأتاه الجنيد وقال : فتحت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك . . » ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ، الجزء الثاني ، مصر 1963 م ص 25 ) وظاهر أنه - وإن احتملنا تسمية هذه الظاهرة كذلك - إلا أن مجرى الحوادث لم يكن على الصورة التي رواها المناوي إذ معروف أن الجنيد سبق الحلّاج إلى الدار الأخرى بإحدى عشرة سنة .وإذا بنى بيتا وصام أياما ثم طاف حوله عريانا مرارا أغناه اللّه عن الحج . وإذا صار إلى قبور الشهداء بمقابر قريش في ( كاظمية الحالية شمال بغداد ) عشرة أيام يصلّي ويصوم ولا يفطر إلّا بشيء يسير من خبز الشعير والملح الجريش ، أغناه اللّه عن العبادة باقي عمره » « 4 » .
ولم يكتف حامد بذلك وإنما زيّن له ضميره أن يطعن الحلّاج في شرفه
.................
« كان من أهل بغداد ، وأنه كان شهما مثل الحلّاج وهو الذي أخرج كلامه للناس ضرب [ضربت] عنقه بباب الطاق بسبب ميله إلى الحلّاج ».
( 3 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 ، تاريخ بغداد 8 / 126 .
( 4 ) المنتظم 6 / 163 .
يـتــبـع
وذلك بزعمه أنه استدعى زوجة العباس نقل الحلّاج من حبسه إلى بيته هو مبالغة في الحرص وزيادة في الحيطة ، وكان يفتنّ في إهانته هناك . وذكر عريب القرطبي أن حامدا « كان يخرجه إلى من حضره ، فيصفع وتنتف لحيته » « 5 » ، وفي أثناء ذلك كان حامدا « يستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة » « 6 » .
.................................
259 - 339 هـ / 872 - 951 م ) ، محتسب بغداد السابق « 6 » ، الذي كان قادما من مقر عمله القضائي في الشام « 7 » ليخلف ابن البهلول في منصبه « 8 » في ما يبدو . وكانت هذه الهيئة الثلاثية « 9 » مالكية برئيسها « 10 » ، حنفية بعضويها « 11 » ، و « لم يحضر الجلسة أحد من الشافعية » « 12 » ولا الحنابلة ، بالضرورة لأنهم كانوا خصوم الدولة ومعارضين لهذه المحاكمة على إطلاقها بتأثير أحمد بن عطاء الذي كان ينتمي إليهم « 13 » . ومع أن أعضاء المحكمة كانوا من مشاهير
...........................
( 12 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : شخصيات قلقة في الإسلام ص 76 - 77 .
( 13 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : شخصيات قلقة في الإسلام ص 76 - 77 .
« 57 »
القضاة ، وخصوصا رئيسها أبا عمر الحمادي الذي كان مضرب المثل في العدل والحلم والنزاهة والعلم « 1 » - وكانوا يمثلون أعلى المستويات في القضاء - إلا أنه لا مفر من ملاحظة ما انطوى عليه هذا التشكيل من تحيّز وسوء نية من قبل حامد بن العباس تحقيقا لرغبته العارمة في الانتقام ، فمن المعروف أوّلا : أن المالكية لا يجوّزون توبة الزنديق أصلا بعكس غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى « 2 » ، وكان هذا هو موقف أبي عمر في أثناء المحاكمة « 3 » .
فكأنّ تعيين هذا القاضي ضمن هيئة المحكمة أريد به الحكم بالإعدام لا غيره . ومما يؤكد هذا أن الشافعيّة لم يمثّلوا في المحاكمة كما مرّ ، لسبب بسيط واضح هو قبولهم لتوبة الزنديق والحكم بإطلاق سراحه متى اعترف وتاب .
والشيء الآخر في هذه المحكمة أن اختيار أبي جعفر البهلول ربّما قصد به كبح جماح ( السيدة ) والدة الخليفة من التدخل في صالح الحلّاج باعتبار موقف القاضي السابق منها في القضية المذكورة آنفا .
من هنا يحتمل أن يكون اختيار أبي الحسين الأشناني - القاضي المفضّل عند السيدة نفسها - قد وقع تحت تأثيرها الشخصي ليقف في صف الحلّاج .
لكن هذا القاضي وقع فريسة سهلة ، لرهبة حامد بن العباس أو رغبته ، ومال مع رأي القاضي المالكي المذكور .
ويبدو أن الثمن كان قضاء الرصافة أو مدينة المنصور الذي عين فيه في ما بعد ولم يستمر فيه إلا ثلاثة أيام فقط ، وآخر ما يتصل بتحيّز هذه الهيئة أن حامدا حشد لها عددا وافرا من الشهود وكافأ رئيسهم بمنصب قضائي فخري في القاهرة « 4 » ليكون بمنجاة من انتقام أنصارالحلّاج .
..........................
( 1 ) تاريخ بغداد 3 / 401 ، وذكر البغدادي هنا « أن الإنسان كان إذا بالغ في وصف رجل قال : كأنه أبو عمر وإذا امتلأ الانسان غيظا قال : لو أني أبو عمر القاضي ما صبرت » ( الموضع نفسه ) . انظر أيضا : العبر للذهبي 2 / 183 ؛ شذرات الذهب 2 / 386 ؛ الديباج المذهب لابن فرحون ص 241 - 242 .
( 2 ) راجع نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار للشوكاني ( محمد بن علي بن عبد اللّه 1173 - 1250 هـ / 1760 - 1834 م ) ، الجزء السابع ، مصر 1380 ه / 1961 م ، ص 203 - 5 .
( 3 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .
( 4 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : ( شخصيات قلقة في الإسلام ) ، ص 77 ) وبالنسبة للشهود وكذا الفقهاء ، انظر ابن الأثير 8 / 39 .
« 58 »
ومما يؤخذ على هذه المحاكمة في عمومها أنها أفرغت في قالب ديني وإن كانت في أساسها سياسية ؛ ومن هنا كان ينبغي أن تكون إسلامية دينية يومئذ . وبذلك يكون الحكم عادلا غير متحيز . أما أن يسلط على عنق المتهم حاكم ذو اتجاه معروف مقدّما فليس من العدل في شيء ولو من حيث المظهر فقط .
مهما يكن الأمر ، فقد جرت محاكمة الحلّاج على أساس من استجوابه في ما نسب إليه بمراجعة أدلّة الإتّهام وفحص مستنداته التي قدّمها جميعا خصمه حامد بن العباس اعتمادا على الشهود من ناحية وعبارات الحلّاج في كتبه المشعرة بالردّة والخلاف من ناحية أخرى . ومضت الأسئلة والأجوبة واستعراض المصنّفات في صالح الحلّاج إلى أن وصل الدور إلى فقرة الحجّ ، كما وردت في أدلّة الاتّهام ، وكما نصّ عليها كتابه « الصدق والإخلاص » - الآتي في مصنّفاته ، في رأينا . ولما توقّف أبو عمر القاضي مستفسرا عن مصادرها كان جواب الحلّاج أنّه وجد حكمها في كتاب « الإخلاص » للحسن البصري « 1 » الزاهد المشهور ( ت 110 ه : 758 م ) .
.......................
( 1 ) تجارب الأمم لمسكويه 5 / 160 ، الكامل لابن الأثير 8 / 39 ، تاريخ أبي الفداء ، طبع ليدن 2 / 342 تاريخ ابن الوردي ( عمر بن المظفر المصري ، 691 - 749 هـ / 1292 - 1349 م ) مصر 1285 هـ ، 1 / 256 الخ . . .
وبالنسبة لكتاب الإخلاص المذكور ، عده الحاج خليفة ( مصطفى بن عبد اللّه الشهير بكاتب جلبي ، ت 1067 ه / 1658 م ) مصنفا تاريخيا استنادا إلى خبر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد نقلا عن النكت الوفية الذي لا يرد عنه شيء في كشف الظنون . وخلص الحاج خليفة في النهاية إلى أنه « فهذا إقرار من أبي عمرو ( كذا ) أن كتاب الإخلاص للحسن ، فهو أول مصنف مطلقا » ( كشف الظنون إسطنبول ، 1366 هـ ، 2 / 259 ) . والحق أن هذا تشكيك في الكتاب كما يأتي . ولقد ذكر الصولي ( محمد بن يحيى ، ت 335 هـ / 947 م ) بنقل ابن الجوزي ، أن هذا الكتاب « هو كتاب السنن » للحسن البصري لا « الإخلاص » ( المنتظم 6 / 163 ) وذكر ابن تيمية أنه كتاب « الصلاة » في « جامع الرسائل » له ( ص 189 ) . وفي ما يتصل بمعنى الإخلاص ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار ( 2 / 283 ) عن ابن عباس أنه « هكذا ، وبسط يده اليمنى وأشار بإصبعه من يده اليسرى » . وأضاف ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد ( تحقيق أحمد أمين وزميليه ، 3 / 221 ) أن ابن العباس « بسط يده اليسرى وأشار بإصبعه من يده اليمنى » . وزاد النويري في نهاية -
« 59 »
ومع أن الحسن البصري لم يكن ثقة في الحديث بل وصفه ابن سعد ( محمد الزهري ت 230 هـ : 844 م ) بكونه ( ليس بحجة ) « 1 » ، ووصفه الذهبي ( شمس الدين
........................
داره فيعمل به محرابا ويغتسل ويحرم ويقول كذا ويفعل كذا ويصلي كذا ويطوف بهذا البيت كذا ويسبّح كذا : أشياء قد رتبها وذكرها من نفسه . قال : فإذا فرغ من ذلك فقد سقط عنه الحج إلى بيت اللّه الحرام . وهذا شيء معروف عند الحلّاجية ؛ وقد اعترف ( به ) لي رجل منهم - يقال :
إنه عالم لهم -ولكن ذكر أن هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت - صلوات اللّه عليهم - وقال : ليس عندنا أنه يستغنى به عن الحج ، ولكن يقوم مقامه لمن لا يقدر على الخروج بإضافة أو منع أو علة ، فأعطى المعنى وخالف في العبارة .
( و ) قال لي أبو الحسن : « فسئل الحلّاج عن هذا - وكان عنده أنه لا يستوجب عليه شيئا - فأقرّ به وقال : هذا شيء رويته كما سمعته ، فتعلق بذلك عليه » ( نشوار المحاضرة 1 / 82 ) ، وإن كان لهذه العبارة أصل فلعله إسماعيلي وأمارة ذلك عبارة « صلوات اللّه عليهم » التي تساق إلى الأئمة عندهم ( انظر الملحق 3 و 11 من كتاب المعز لدين اللّه للدكتور حسن إبراهيم حسن مصر 1948 م ، ص 307 - 342 ) .وقد ورد هذا الضرب من الحج عند أصحاب وحدة الوجود ؛ فقال لسان الدين بن الخطيب ناقلا كلام ابن العربي الحاتمي الطائيالحاتمي الطائي منهم : « الحج حج ثان لا يثني نفس المريد عنه ثان .
طريقه التجريد وزاده الذكر وطوافه المعرفة وإفاضته الفناء .فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.
الغرام صعب المرام والدخول فيه حرام ما لم يكن فيه شروط كرام . من عرف ما أخذ هان عليه ترك » ( روضة التعريف بالحب الشريف ، ص 373 ، وانظر « رسالة الإسراء إلى مقام الأسرى » لابن العربي الحاتمي الطائي في رسائله ، حيدر آباد 1942 م - 48 ) .( 1 ) الطبقات الكبرى ، ليدن 1917 - 28 م ، 7 : 1 / 114 .
« 60 »
محمد بن أحمد التركماني ) ، ( ت 748 هـ / ت 1347 م ) بعدئذ بقوله : « مدلّس فلا يحتج بقوله عمّن لم يدركه ، وقد يدلّس عمن لقيه من بينه وبينه ، واللّه أعلم » « 1 » ، أصرّ أبو عمر القاضي على أنه رأى الكتاب المذكور في مكة ولم يكن هذا النصّ فيه « 2 » .
في هذه اللحظة غضب القاضي الحليم الهادئ وأفلتت منه عبارة « يا حلّال الدم » « 3 » .
فتعلق بها حامد تعلق الغريق بطوق النجاة ، ولم يفد القاضي تشاغله ولا محاولته التملّص أو الاعتذار ، وكان للوزير ما أراد .
ولم يكن الحلّاج يتوقع أن يكون تسليمه بهذا النقل مدعاة للحكم عليه بالإعدام ، ومن هنا احتج بشدة وجعل يصرخ في المجلس « ظهري حمى وجسمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه ( الدين ) . اعتقادي الإسلام ومذهبي السنّة ولي كتب في الورّاقين موجودة في السوق . فاللّه اللّه في دمي » « 4 » .وكان الحلّاج يقول هذا « والقوم يكتبون خطوطهم ، حتى كمل الكتاب بخطوط من حضر وأنفذه حامد إلى المقتدر » « 5 » .
ولم يسلّم الحلّاج بهذه النتيجة وإنما تحدّى قضاته إلى المباهلة أي الملاعنة وتحكيم اللّه في المخطئ المذنب من أحد الطرفين المتنازعين « 6 » . لكن الأمر كان قد بلغ غايته ، وكان حامد بن العباس يستعجل تصديق الخليفة على الحكم وتحديد طريقة الإعدام . ولما بلغ نصرا القشوري الخبر فوجئ به ولجأ إلى السيدة والدة الخليفة محاولة منه لإلغاءالحكم أو أستصدار عفو عن الحلّاج أو تأجيل التنفيذ فيه .
..............................
محيي الدين عبد الحميد ، مصر 1948 ، 1 / 406 ) .
( 4 ) المرجع السابق ، المواضع نفسها .
( 5 ) المرجع السابق ، المواضع نفسها .
( 6 ) الفهرست ص 271 ، رسالة ابن القارح ( في مقدمة رسالة الغفران ط 4 ، ص 38 ) ، وانظر المباهلة في سيرة ابن هشام ، مصر 1936 م ، 2 / 222 - 33 ؛ وآية المباهلة في سورة آل عمران ( 3 : 61 ) .
« 61 »
وبدأ نصر هذه المحاولة بتخويف السيدة من مغبة قتل الحلّاج وقال لها : « لا آمن من أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح .
فمنعت المقتدر من قتله فلم يقبل وأمر حامدا فأمر بقتله . فحمّ المقتدر يومه ذلك ، فازداد نصر والسيدة افتتانا .
وتشكك المقتدر فيه ؛ فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله . فتأخر [ فأخّر ] ذلك أيّاما إلى أن زال عن المقتدر ما كان يحذر من العلة .
فاستأذنه حامد في قتله فضعّف الكلام ، فقال حامد : يا أمير المؤمنين ، إن بقي قلب الشريعة وارتدّ الخلق على يده وأدّى ذلك إلى زوال السلطان ، فدعني أقتله وإن أصابك شيء فاقتلني .
فأذن في قتله ، فعاد فقتله من يومه لئلّا يتلوّن المقتدر » « 1 » ، وكان تصديق المقتدر على الحكم مقترنا بصورة تنفيذه على شكل فظيع لم تجر العادة به في مثل حالة الحلّاج ، وقداستعمل فيه السوط الذي يكون في « الحدود كلّها وفي التعزير » « 2 » ،والسيف « الذي لا يقع إلّا بين كتفي زنديق » « 3 » والصلب الذي يكون في العادة لقطّاع الطرق والمحاربين




