الصفحات

الأحد، 9 نوفمبر 2025

٦…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي

 « 4 » والنار التي نهي عنها لأنهالأنها
.................................
( 1 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري ، ( ت 567 و / 1171 - 2 م ) ، مصر 1354 - 1369 هـ / 1935 - 1950 م . وهيئة الجلد بالسوط لها أحكام ، « فالسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين لا شديدا ولا لينا » وأما موضع الضرب من الجسم فعند مالك أنه « لا يجزى عنده إلا في الظهر ، وأصحاب الرأي [ - الحنفية ] والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف ، وهو قول علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه » ، وقال الشافعي : « إن كان مدّه صلاحا مدّ » . وفي هذه الحالة يجرّد المضروب « إلا في حال القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه . . . » . 
واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود فقال مالك : « الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر وكذلك التعزير وقال الشافعي وأصحابه يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء . . . واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور يتقى الرأس وقال أبو يوسف : يضرب الرأس ، وروى عن عمر وابنه مقالا : « يضرب الرأس » . أما الضرب نفسه فينبغي « أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه وبه الحكّام . ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك وكذلك كانت الصحابة تفعل » . أيضا ( 12 / 161 ) .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير 11 / 135 .
( 4 ) انظر نيل الأوطار للشوكاني ( 7 / 161 ) ذلك أنهم « إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا -
« 62 »
مثلة « 1 » ثم نصب الرأس والأعضاء الذي لا يكون إلّا للخارج « 2 » ، مع تنفيذ كل ذلك علنا وأمام الناس « 3 » . كل ذلك تنفيذا لتوقيع الخليفة الذي كتب في التصديق على حكم الإعدام : « إذا كان [ القضاة ] قد أفتوا بقتله وأباحوا دمه ، فلتحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة وليتقدّم إليه بتسليمه وضربه ألف سوط .
فإن تلف تحت الضرب ، وإلا ضرب عنقه » « 4 » ، وهو حكم أورد مسكويه فيه تفصيلات أخرى ، فذكر أن الخليفة ضمنّها كتابه في قوله : « . . . واضربه ألف سوط ، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه ثم اضرب رقبته وانصب رأسه وأحرق جثته » « 5 » .
وإذ كان محمد بن عبد الصمد ، صاحب الشرطة ، يتخوّف من أنصار الحلّاج ويخشى « أن ينتزع من يده » « 6 » ، « وقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة ( إلى دار حامد بن العبّاس حيث كان معتقلا ) ومعه جماعة على بغال موكفة يجرون مجرى السّاسة ، وليجعل [ الحلّاج ] على واحد منها ويدخل في غمار القوم » « 7 » .
وانتهى الأمر بأن نفّذت هذه الخطة ، و « ركب غلمان حامد
...........................
- وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض . . » اما مدة الصلب فالرأي فيه كثير فقوم رأوا أن يستمر « حتى تنتثر عظامه » وآخرون أن يكون « حتى يسيل صديده » وقال بعض أصحاب الشافعي : « ثلاثا في البلاد الباردة وفي الحارة ينزل قبل الثلاث » ( أيضا : 7 / 165 ) .
( 1 ) أيضا 7 / 164 .
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ( أحمد بن محمد المرواني ت 328 ه / 940 م ) ، مصر 1948 - 1953 م ، 4 / 461 - 2 .
( 3 ) وذلك تحقيقا لقوله تعالى في الزانيين« وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »( النور 24 : 2 ) وعليه قيس غيره من الحدود ، والحكمة فيه مختلفة وقد أورد القرطبي لذلك الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس وأن ذلك يردع المحدود وأن من شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله » الخ . . . ( الجامع لأحكام القرآن 12 / 164 ، 167 )
( 4 ) أربعة نصوص ، نص ابن زنجي ، 1 / 12 .
( 5 ) تجارب الأمم ، 5 / 160 .
( 6 ) المنتظم 6 / 163 - 4 وفيه العبارة واضحة ، وهي مصحفة في تجارب الأمم 5 / 160 .
( 7 ) المنتظم 6 / 163 - 4 وفيه العبارة واضحة ، وهي مصحفة في تجارب الأمم 5 / 160 .
« 63 »
معه حتى أوصلوه إلى الجسر » ، مكان الإعدام « 1 » ، وكان ذلك ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة « 2 » . أما الحرّاس « فباتوا مجتمعين حوله » « 3 » .
وأمّا الحلّاج ، فلمّا أصبح الصباح « أخرج ليقتل ؛ فجعل يتبختر في قيده وهو يقول ( بقول أبي النواس ) :
نديمي غير منسوب * إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشر * ب فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكسا * س دعا بالنّطع والسيف
كذا من يشرب الرا * ح مع التنّين في الصيف » « 4 »
وقبل أن يفوت الأوان ينبغي أن نلفت الأذهان إلى حقيقة غابت عن كثير من المصنّفين قدماء ومحدثين . ذلك أن الحلّاج لم يؤاخذ على عبارته المشهورة « أنا الحق » ، كما يتوهم الكثير وهي العبارة التي قيل : إن الجنيد البغدادي تنبأ له بالقتل بسبب صدورها عن الحلّاج - بل يبدو من سياق المحاكمة من تصوير كتب التاريخ والتصوّف لها أنّ أشياء أخرى فقهية في الظاهر وسياسية في الواقع هي التي أودت بحياة الجلاج . 
ومما يجلو هذه المسألة أنّ الحلّاج نفسه ظلّ متشبثا بقوله « أنا الحق » في « الطواسين » - وهو الكتاب الذي ألّفه في أخريات أيّامه حين كان سجينا في دار السلطان - كما يأتي في فقرة مصنّفاته .
وقد قال الحلّاج في الطواسين : « تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوّة ؛ فقال إبليس : إن سجدت سقط عنّي اسم الفتوّة ، وقال فرعون : إن آمنت برسوله سقطت من منزل الفتوّة . 
وقلت أنا : إن رجعت عن دعواي سقطت من منزل الفتوّة وقال إبليس : أنا خير منه حين لم يراء ( ير ) غيره غيرا ، وقال فرعون : ما علمت لكم من إله غيري ، حين لم يعرف في قومه من يميّز بين الحقّ والباطل .
...........................
( 1 ) تجارب الأمم 5 / 161 .
( 2 ) المنتظم 6 / 164 ، وانظر تجارب الأمم أيضا : 5 / 161 .
( 3 ) المنتظم 6 / 164 ، وانظر تجارب الأمم أيضا : 5 / 161 .
( 4 ) أيضا : 6 / 164 ، وراجع باب « أشعار تنسب إلى الحلّاج » في آخر الديوان .
« 64 »
وقلت أنا إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره ، وأنا ذلك الأثر وأنا الحق ، لأنيّ ما زلت أبدا بالحقّ حقا » . ( ص 50 - 51 ) .
ومع أن الحلّاج ذكر بنفسه أنه طالما اتّهم بالزندقة في قوله : « المنكر في دائرة البرّاني وأنكر حالي حين لم يراني ( يرني ) وبالزندقة سمّاني وبالسوء رماني » ( الطواسين ، ص 29 ) ، لم يرد في محاضر المحاكمة شيء يتّصل بمسؤوليته عن تلك العبارة ولا هذا الرأي .
والنتيجة أن الموت صار الحكم على هذا الصوفي المتّهم .
وبرز الحلّاج إلى ساحة الإعدام في رحبة الجسر « 1 » بباب خراسان « 2 » في الجانب الغربي من بغداد « 3 » ، شيخا في الخامسة والستين « ابيض الشعر واللحية . . . له علامة في رأسه هي ضربة » « 4 » . « واجتمع عليه خلق كثير » « 5 » ، وتقدّم الحلّاج فصلى الركعتين اللتين سنّهما خبيب بن عديّ قبل القتل في الإسلام الأول « 6 » ، « فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وبعدها :( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ، وَالْجُوعِ )( الآية البقرة 2 : 155 ) ، ثم في الثانية فاتحة الكتاب وبعدها :( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ )( الآية آل عمران 3 : 185 ) « 7 » .
ومبالغة في التعذيب « تقدم أبو الحارث السيّاف فلطمه لطمة هشّم بها وجهه وأنفه » « 8 » ، ثم ضرب نحوا من ألف سوط « 9 » . ؛ فلمّا لم يمت « قطعت
..................
( 1 ) صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي ، ليدن 1897 م ، ص 86 .
( 2 ) المنحنى الشخصي للحلّاج ، شخصيات قلقة في الإسلام ، ص 77 ، ويذكر الدميري أن ذلك قد تم بباب الطاق ( حياة الحيوان 1 / 245 ) [ - وموضعه مدينة الأعظمية من ضواحي بغداد الجنوبية الحالية حيث مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، ت 150 ه / 667 م ] .
( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 27 أربعة نصوص : نص ابن زنجي ، ص 12 .
( 4 ) الفهرست ص 270 .
( 5 ) حياة الحيوان للدميري 1 / 45 .
( 6 ) شرح لامية العجم للصفدي 2 / 181 .
( 7 ) حياة الحيوان 1 / 245 عن مفاتيح الكنوز لعز الدين بن عبد السلام .
( 8 ) تاريخ بغداد 8 / 127 ، والمراجع الأخرى تحدّد السياط بألف عدا .
( 9 ) تاريخ بغداد 8 / 127 ، والمراجع الأخرى تحدّد السياط بألف عدا .
« 65 »
يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ثم يده » « 1 » . ثم « ضربت عنقه وأحرقت جثته » « 2 » ، « فلما صار رمادا ألقي في دجلة » « 3 » . كل ذلك « دون أن يتأوّه » « 4 » « ونصب رأسه للناس على سور السجن الجديد » « 5 » « المعروف بالمترف » « 6 » « وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه » « 7 » .
« وفي يوم الاثنين سلخ ذي القعدة ، أخرج رأس الحسين بن منصور الجلاج من دار السلطان ليحمل إلى خراسان » « 8 » ، « لأنه كان له بها أصحاب » « 9 » . ثم ظلت الشرطة تلاحق أنصاره إلى سنة 312 هـ / 924 - 5 م ، حين أحضر « في مجلس الشرطة ببغداد . . . ثلاثة نفر من أصحاب الحلّاج ، وهم حيدرة والشعراني وابن منصور » « 10 » . 
فطالبهم « نازوك بالرجوع عن مذهب الحلّاج ، فأبوا فضرب أعناقهم ثم صلبهم في الجانب الشرقي من بغداد ، ووضع رؤوسهم على سور السجن في الجانب الغربي » « 11 » . وينبغي أن نذكر هنا ، وقبل أن تفوت الفرصة ، أنّ الحلّاج قد برّ بوعده للّه لمّا تعهّد ببذل دمه في سبيله حين قال : « تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي » .وكان يريد بذلك أن يضرب مثلا نادرا في الفتوة ضرب هو عليه إبليس
..........
( 1 ) تاريخ مختصر الدول لابن العبري ( أبي الفرج غريغوريوس بن آهرون الملطي ، ت 685 هـ / 1286 م ) بيروت ، 1890 م ، ص 156 ، والمصادر الأخرى تقول : « قطعت يداه ورجلاه » ويقول ابن الأثير بقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ( الكامل 8 / 39 ) .
( 2 ) التنبيه والإشراف للمسعودي ، مصر 1346 هـ ، ص 335 .
( 3 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 4 ) أيضا : 8 / 39 ، تاريخ مختصر الدول ص 156 .
( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 6 ) التنبيه والإشراف للمسعودي ، ص 335 . وكان في دار الخلافة خزانة تحفظ فيها الرؤوس وقد احترقت سنة 601 هـ / 1204 م ، وكان فيها رؤوس كثيرة من جلة المعدمين ( انظر مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ، 8 / 523 ) .
( 7 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 8 ) المنتظم لابن الجوزي 6 / 167 . وقد وردت هذه الواقعة في حوادث سنة 310 هـ ، والصواب أنها في السنة التي قبلها .
( 9 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 10 ) المنتظم 6 / 189 .
( 11 ) المنتظم 6 / 189 .
« 66 »


تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللهم وفقنا لما تحب وترضي واعنا علي ما يرضيك عنا
وقربنا ممن تحب وحببنا اليهم وقربهم منا واعلي هممنا واصلح شأننا كله يا ارحم الراحمين