الصفحات

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

12…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي

١٢ ــ شخصية الحلّاج بعد مقتله
شرح ديوان الحسين ابن المنصور الحلاج  د. كامل مصطفى الشيبي استاذ بجامعة بغداد
شخصية الحلّاج بعد قتله
وجاور الحلّاج ربه بارّا بوعده ، وتبعه حامد بن العباس بعد سنتين مصادرا وثلّت المقتدر بعد حامد بتسع سنين .
وذهبت المصالح واختفت الشرطة والأعوان ، وأنزل الزمان ستاره على العصر كلّه ، وأمسى كل شيء في ذمة اللّه ، وعادت الأسماء الرنانة والأموال الطائلة والجيوش المجيشة ، وكذا الفقراء والجياع وأصحاب الطموح والأطماع حروفا تخطها ريشة الزمان على صفحات التاريخ . وأتيح للناس أن يتعرفوا إلى الحلّاج ومأساته على مهل ويبحثوا شؤونه بمعزل عن الرغبة والرهبة والحسد والغبطة والحبّ والكره .
وسرعان ما بدأت أخبار الحلّاج تجمع والكتب فيه تصنّف وآراء الناس فيه تسجل .
وبدل أن ينساق هؤلاء مع التيار الذي شقّ قناته أعداؤه من رسميين ومنافقين ومصلحيين ، وجّه هذا النبع إلى مجرى آخر يصفو في الماء ، وتتحلّل منه الشوائب فعاد ماء عذبا زلالا لذّة للشاربين .
وهكذا تحوّل كل ما يتصل بالحلّاج من خذلان ومؤاخذة ومساءة إلى عطف ونصرة وتبرير ، وترطبت حلوق الصوفية بعد أن جفّفها الرعب وارتفعت أصواتهم تهدر بعبارات قوية واضحة تزيل الغبار عن سجل الحلّاج المطموس وتغسل الدم عن وجهه المرفوع فوق الرمح في شوارع خراسان ، وتعيد إليه اعتباره وترفعه إلى مكانه اللائق به في رأيهم تحت شمس التاريخ .
وهكذا سمعنا أبا بكر الشبلي الذي قيل : إنه أعرض عن الحلّاج في أخريات أيامه لقوله : « أنا الحق » « 1 » ، يهتف بين جمع من الناس دون خوف أو
..........................
( 1 ) رسالة ابن القارح - مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، ط 3 ، ص 36 ، بدلالة

« 80 »
تردد : « كنت أنا والحلّاج شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت » « 1 » .
ووجدنا محمد بن خفيف ، الذي لعن الحلّاج من قبل ، يصفه بقوله : « الحلّاج عالم ربّاني » « 2 » . وغدا الفقهاء الذين حكموا بالإعدام يقولون بلسان أبي العباس بن سريج ، الفقيه الشافعي ( ت 306 هـ / 918 - 19 م ) - إذ سئل عنه - « هذا رجل خفي عنّي حاله وما أقول فيه شيئا » « 3 » .
وحوّل المعجبون بالحلّاج من صوفية ومن سواهم ، ساعات عذابه إلى لحظات من السعادة الروحية والتوفيق الإلهي ، ومن هنا قرن صبره بصبر أيوب ( ع ) « 4 » وألحق بالمعذبين من السابقين الأوّلين من المسلمين بروايتهم عنه أنه تحمل لسع السوط صابرا محتسبا سعيدا وأنه كان يقول مع كل جلدة « أحد ، أحد » « 5 » .
وشبّه الحلّاج في الشجاعة ببابك الخرّمي ، الثائر الفارسي المجوسي ( ق 223 هـ / 838 م ) الذي كاد يدكّ عرش المعتصم ، إذ روي أن الأوّل « لمّا لطّخ وجهه بالدم حين قطعت أطرافه » « 6 » . سوّغ ذلك بأنه إنّما « كان لئلا يظهر إلى عين العامة تغيّر مزاجه غيرة منه على الحق لمعرفته بهذا كله » « 7 » .
وبابك هو السابق إلى ذلك ، إذ لمّا قطعت يده لطّخ وجهه بدمه
......................
الفرق بين الفرق للبغدادي ( أبي منصور عبد القاهر بن طاهر ، ت 429 هـ / 1038 م ) ، مصر 1367 ه / 1947 م ، ص 157 - 8 . ومما يذكر هنا أن نص الرسالة المذكورة ناقص في هذا الموضع وقد بينا وجه ذلك وأشرنا إلى أشياء كثيرة من هذا القبيل في بحثنا « رسالة الغفران » في طبعتها الرابعة الذي نشر ناقصا في مجلة « المجلة » القاهرية ، من أعداد سنة 1968 م ، وكاملا في العددين التاسع والعاشر من السنة الثانية من مجلة البلاغ البغدادية .
( 1 ) انظر كتابنا « الصلة بين التصوف والتشيع » ط 2 ، ص 49 .
( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 112 ، وذكر الخطيب البغدادي هنا أن أبا العباس ( أحمد ) بن عطاء ( الأدمي ) البغدادي ومحمد بن خفيف الشيرازي وإبراهيم بن محمد النصر آباذي ، صححوا حاله ودوّنوا كلامه .
( 3 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ، مصر 1948 م ، 6 / 409 .
( 4 ) الفتوحات المكية لابن العربي الحاتمي الطائي ( محمد بن علي الحاتمي ، ت 638 هـ / 1241 م ) ، مصر 1293 م ، 4 / 182 .
( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 131 .
( 6 ) الفتوحات المكية 4 / 182 .
( 7 ) الفتوحات المكية 4 / 182 .
« 81 »
وضحك يري الناس « أنه لم يؤلمه القطع وأن روحه ليس تحسّ بشيء من ذلك » « 1 » . وفوق هذا كله إنّما كان أنصار الحلّاج في خراسان يرفعون من قدره بوصفه زعيما سياسيا عظيما ، فخاطبوه بعبارة « رب لأرباب » « 2 » إجلالا له . كما كانت رعية الأفشين ( خيذر بن كاوس الصّغدي ، القائد التركي المشهور الذي صلبه المعتصم مع بابك الخرّمي ) ، يكاتبونه وأباه وجدّه من قبله « 3 » . من قولهم ، في ديباجة رسائلهم إليهم : « إلى إله الآلهة من عبيده . . . » « 4 » .
وأوفى الحلّاج على الغاية لمّا قورن بالحسين بن علي بن أبي طالب أبي الشهداء في تضحيته وفدائه وبطولته « 5 » ومكانته ، لما ذكر أن صوفيّنا « لمّا وقع دمه على الأرض كتب : « اللّه اللّه » ، إشارة لتوحيده وإنما لم يكتب دم الحسين ذلك لأنه لا يحتاج إلى تبرئة » « 6 » .
حتى إلقاء رماد جثة الحلّاج في دجلة اقترن بأسطورة أريد بها الرفع من شأنه وتبديد الوقع السيّىء الذي يرسب منه في النفوس .
ولهذا ذكر المعجبون بالحلّاج أنه « لمّا ألقي رماده في دجلة ، ظهر على وجه الماء بدله عبارة : « أنا الحق » « 7 » .
وانتهى الأمر أخيرا بأن عدّ الحلّاج ثالث ثلاثة أحبّهم قوم فكفروا بحبّهم وأبغضهم قوم فكفروا ببغضهم ، والاثنان الآخران : عيسى بن مريم وعلي بن أبي طالب
......................
( 1 ) البدء والتاريخ للمقدسي 6 / 117 .
( 2 ) انظر مثلا التبصير في الدين للأسفرايني ( أبي المظفر شاهفور بن طاهر الشافعي ، ت 471 هـ / 1080 م ) ، مصر 1359 هـ / 1940 م ، ص 78 .
( 3 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 هـ / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 هـ / 1887 - 8 م ، 1 / 190 .
( 4 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 هـ / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 هـ / 1887 - 8 م ، 1 / 190 .
( 5 ) انظر : تراجم القرنين ( السادس والسابع الهجريين ) لأبي شامة ( أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل ، 599 - 665 هـ / 1202 - 1267 م ) ، مصر 1366 هـ / 1947 م ، ص 18 - 19 .
( 6 ) الكواكب الدرية لعبد الرؤوف المناوي 2 / 25 . وقد بولغ في ذلك بمصر سنة 596 هـ / 1199 - 600 م . حتى فضل الحلّاج على الحسين السبط ، فما كان من شهاب الدين محمد الطوسي الذي توفي في هذه السنة ، إلا أن قال : « كيف يجوز هذا ؟ قطرة من دم الحسين أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلّاج . فلما قال السائل : قدم الحلّاج كتب على الأرض : اللّه ، ولا كذلك دم الحسين ، فقال الطوسي : المتهم يحتاج إلى تزكية » ( تراجم القرنين ، ص 18 - 19 ) .
( 7 ) تاريخ كزيدة لحمد اللّه المستوفي القزويني ، ص 776 .
« 82 »
علي بن أبي طالب « 1 » .
وهكذا يعدّ الزعم بأن الحلّاج لم يقتل أمرا مألوفا في مثل هذه الظروف العاطفية ، ومن هنا ذكر أن القتل وقع على « دابة » « 2 » مرة و « بغلة » « 3 » مرة أخرى ، وتواضع قوم فذكروا أنه وقع على رجل ألقي عليه شبهه « 4 » .
وبعد هذا جرؤ قوم على الزعم بأنهم سمعوا الحلّاج يقول لأصحابه : « لا يهوّلنّكم هذا فإنّي عائد إليكم بعد ثلاثين يوما » « 5 » . وتمشّيا مع هذه القصة ذكر ابن الأثير أن « بعضهم » قال : « لقيته على حمار بطريق النهروان ( ماضيا من العراق إلى إيران قاصدا خراسان طبعا ! ) وأنه قال لهم : « لا تكونوا مثل هذا البقر ( الصحيح : النفر ) الذين يظنون أنني ضربت وقتلت » « 6 » .
ومن الطبيعي أن تتداعى هذه الصور إلى الرجعة والمهدية ؛ وهذا شيخ المعرّة ( ت 449 هـ / 1057 م ) يخبرنا أن « الصوفية ، اليوم ، من يرفع شأنه ويجعل مع النجم مكانه . وبلغني أن ببغداد قوما ينتظرون خروجه وأنهم يقفون بحيث صلب على دجلة ، يتوقعون ظهوره . . . » « 7 » . وهكذا ارتفعت اللعنة والسخرية والنقمة وحلّت الرحمة والإعجاب والحب والتقدير .
ذلك أن من يبذل دمه ثمنا لما يدين به لن يعقد صفقة خاسرة ، فالقتل جدّ ليس بعده جدّ ، وهو عند الناس برهان ساطع على الصدق والإخلاص ومجلبة للعطف والاحترام والاهتمام .
ولولا تضحية المسيح ما انتشرت المسيحية هذا الانتشار ، ولولا قتل ميرزا محمد الباب ما قامت للبهائية قائمة في العصر الحديث ، عصر العلم والعقل والبرهان .
.......................
( 1 ) الحلّاج شهيد التصوف الإسلامي ، لطه عبد الباقي سرور ، مصر 1961 م ، ص 254 عن اليافعي .
( 2 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 3 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 453 .
( 4 ) الفرق بين الفرق للبغدادي ، ص 159 ، وفي تجارب الأمم أن أصحاب الحلّاج ادعوا أن المضروب « كان عدوا للحلّاج ألقي شبهه عليه » ( 5 / 79 ) .
( 5 ) تاريخ بغداد 6 / 164 . وهذا يذكر بصعود موسى الجبل لميقات ربه ( البقرة 2 : 51 ) .
( 6 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 7 ) رسالة الغفران ، ط 4 ، ص 454 .
« 83 »
وأطرف ما نختم به هذه المعاني ما حكي من أن « الحلّاج كانت له أخت تخرج من البيت كل ليلة . فتعقبها يوما فرأى حورية من حوريات الجنة تسقيها كأسا من شرابها ، ولما طلب الحلّاج جرعة لنفسه ، حذرته أخته من قصوره عن تحمل أثرها وخوّفته من الهلاك بسببها .
لكن الحلّاج أصرّ ، فسقي بضع قطرات من تلك الكأس ، فكان قوله : « أنا الحق ، من عقابيل هذه الجرعة » « 1 » .
وتستمر هذه الأسطورة في مصاحبة الحلّاج في تفصيلات محاكمته وقتله لتروي أنه « لمّا رفع الحلّاج إلى المشنقة ، افتقده الناس فلم يجدوه ثم ظهر متربعا في الهواء ! وكلما سعى أمراء الغضب في القبض عليه اقترن سعيهم بالإخفاق . وفي أثناء هذه الاضطرابات فارقت روح الحلّاج بدنه وارتفعت إلى الجنة حيث لقيت النبي ( صلى عليه وسلم ) .
وبعد أن تلقت التهنئة على درجة الوصال ( التي نالتها ) . . . طلب إليها النبي ( صلى عليه وسلم ) أن ترضى بالقتل حفظا لظاهر الشريعة . وسمعت روح الحلّاج لقول النبي ( صلى عليه وسلم ) فعادت إلى الأرض وبذلت بدنها ليقتل قتلا ظاهريا » « 2 » .
وصورت هذه الحكاية بألوان أزهى لمّا ذكر العطار الأردستاني أن الحلّاج حين حبس حبسا انفراديا ، وذلك بعد رفضه الرجوع عن آرائه شرطا لإطلاق سراحه ، زاره الصوفية ثلاث ليال سويا ، ففي الأولى افتقدوه فلم يجدوه ، وفي الثانية وجدوه ولم يروا السجن ، وفي الثالثة غاب هو والسجن عن عيانهم ! ولما سئل عن ذلك قال : كنت في الليلة الأولى في الحضرة ( الإلهية ) ، وفي الليلة الثانية كان الحق ( تعالى ) هنا ! ومن هنا غاب السجن عن العيان .
واليوم أعادني الحق إلى سجني حفظا ( لظاهر ) الشريعة فتعالوا وافعلوا ما أمرتم « 3 » .
ولما حانت ساعة التنفيذ كان الحلّاج كلما ضربوه عصا سمعوا صوتا فصيحا يقول له : ولدي منصور ، لا تخف » « 4 » .
..............................
( 1 ) تاريخ إيران للسير جون مالكولم وترجمة ميرزا حيرت ( إلى الفارسية ) ، ص 204 .
( 2 ) أيضا ، ص 205 .
( 3 ) محفل الأوصياء للأردستاني ( علي أكبر حسين ، والنسخة مكتوبة سنة 1043 هـ / 1633 - 4 م ، خزانة دائرة الهند بلندن ، المخطوط إيته 645 ، ورقة 265 ب ، تذكرة الأولياء للعطار ، طهران 1321 هـ / 1942 م ، 2 / 113 ، وانظر عطار نامه للدكتور أحمد -
( 4 ) محفل الأوصياء للأردستاني ( علي أكبر حسين ، والنسخة مكتوبة سنة 1043 هـ / 1633 - 4 م ، خزانة دائرة الهند بلندن ، المخطوط إيته 645 ، ورقة 265 ب ، تذكرة الأولياء للعطار ، طهران 1321 هـ / 1942 م ، 2 / 113 ، وانظر عطار نامه للدكتور أحمد -

« 84 »
المعتذرون عن الحلّاج المسوّغون لأقواله :
وبقطع النظر عن إحاطة الحلّاج بهذه الهالة من الأساطير تصدّى لتسويغ المآخذ عليه والاعتذار عنه والرفع من شأنه والائتمام به جماعة من عظماء التاريخ الإسلامي في طول العالم الإسلامي وعرضه من : صوفية ومتكلمين وفلاسفة ومفكرين وغيرهم ؛ فبالإضافة إلى محمد بن خفيف ، تطوع أبو سعيد بن أبي الخير ، شاعر الرباعيات الفارسي ( ت 440 هـ / 1048 - 49 م ) يقول : « في اليوم الذي قال ( الحلّاج فيه ) : أنا الحق ، أين كان ؟ لقد كان ( هو ) اللّه اللّه » « 1 » .
وقد ذكر في تضاعيف حركة الحلّاج أن محمد بن داود الظاهري الأصفهاني ، صاحب كتاب الزهرة ( ت 297 هـ / 909 - 10 م ) ، كان من ألدّ أعدائه الأوائل وكان يقول في التعبير عن موقفه منه : « إن كان ما أنزل اللّه على نبيّه حقا فما يقول الحلّاج باطل » « 2 » ، وهي عبارة ما لبثت أن وجدت نقضا عليها على لسان أبي القاسم إبراهيم بن محمد النصر آبادي الصوفي ( ت 367 هـ / 977 - 8 م ) في قوله : « إن كان بعد النبيين الصدّيقين موحّد فهو الحلّاج » « 3 »
وكان موقف الأشاعرة الأول معاديا للحلّاج فوقع فيه وردّ عليه منهم الباقلاني ( محمد بن الطيب ، ت 403 هـ / 1013 م ) ، والبغدادي صاحب « الفرق بين الفرق»، وتلميذه الأسفرايني، صاحب « التبصير في الدين » ( وقد أكثرنا من النقل منهما ).
وجاء في كتاب البغدادي الآخر « أصول الدين » قوله : « وقد اشتمل كتاب تاريخ الصوفية [ الضائع ] لأبي عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من شيوخ الصوفيد ما فيهم واحد من أهل الأهواء ، بل كلّهم من أهل السنّة سوى ثلاثة منهم : أحدهم أبو حلمان الدمشقي ، فإنه تستّر
................................
ناجي القيسي ، بغداد 1388 هـ / 1968 م ، ص 461 ( باب في مناقب . . . الحلّاج للعطار ) ، والنص هنا ترجمة حرفية لما ورد في التذكرة ، والنص الذي أثبتناه من ترجمتنا .
( 1 ) مجموعة نصوص غير منشورة تتعلق بتاريخ التصوف ، جمعه ونشره ماسينيون ، باريس 1929 م ، ص 88 .
( 2 ) شذرات الذهب لابن العماد 2 / 255 .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير 11 / 132 .

« 85 »
بالصوفية وكان من الحلولية ، والثاني الحسين بن منصور الحلّاج وشأنه مشكل ، والثالث القنّاد : اتهمته الصوفية بالاعتزال فطردوه لأن الطيب لا يقبل الخبيث » « 1 » . ولما كتب القشيري ( أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ، ( ت 465 هـ / 1074 م ) رسالته في الدفاع عن الصوفية ورفع تهمة الزندقة عنهم - وكان أشعريا - « ما ذكر الحلّاج للخلاف الذي وقع فيه حتّى لا تتطرق التهمة لمن وقع ذكره من الرجال في رسالته » « 2 » .
أما إمام الحرمين الجويني ( عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف ) ، ( ت 478 هـ / 1085 م ) ، أستاذ الغزالي ، محمد بن محمد الطوسي ، ( ت 505 هـ / 1111 م ) ، فقد تورّط في خصومة الحلّاج جهلا به حتى جمعه في مؤامرة على قلب نظام الحكم العباسي مع ابن المقفع الذي قتل قبله بنحو مائة وخمسين سنة - والجنابي ( أبي سعيد ، ت 301 هـ / 913 - 14 م ، أو أبي طاهر الذي نقل الحجر الأسود من مكة إلى هجر ( ت 318 هـ / 939 - 40 م ) .
وذلك في كتابه « الشامل في أصول الدين » « 3 » . الذي نشر ثلثه الباقي أستاذنا الدكتور علي سامي النشار بالتعاون مع تلميذيه فيصل بدير عون وسهير محمد المختار في الإسكندرية سنة 1969 م وليس فيه هذا الخبر « 4 » .
.................................
( 1 ) أصول الدين ، إسطنبول 1928 ، ص 315 - 16 .
( 2 ) أخبار الحلّاج ، الرسالة الرابعة ، هامش ص 22 ، وهذا هو كلام ابن العربي الحاتمي الطائي منقولا من الفتوحات المكية .
( 3 ) انظر : الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي ، الجزء الثاني ، طبع دار الكتب المصرية 1936 م ، ص 75 ، وراجع البداية والنهاية لابن كثير ( 11 / 143 - 44 ) وانظر ترجمة الحلّاج في وفيات الأعيان لابن خلكان .
( 4 ) الجزء المنشور من كتاب الشامل يتضمن ثلاثة أبواب أو كتب بتقسيم المصنف وهي :
كتاب النظر وكتاب التوحيد وكتاب العلل ، وبقي منه كتب ( فصول ) : الصفات والإرادة والقدر والنبوات وإبطال القول بالتولد والرد على الطبائعيين والتعديل والتجوير . ولعل خبر الحلّاج موجود ضمن كتاب التنبؤات كما فعل القاضي عبد الجبار في الجزء الخاص بالتنبؤات والمعجزات من كتابه « المغني في أبواب التوحيد » وقد جاء في المقدمة أن معهد المخطوطات العربية في القاهرة يحتفظ بملخص للشامل اسمه « الكامل في اختصار الشامل » ومختصر لهذا اسمه « مختصر الكامل » وتحتفظ به مكتبة جامعة الأزهر فلا بد أن الخبر المذكور وارد في الأول منهما ( انظر مقدمة الشامل ص 87 ) .
« 86 »
لكن هذا الموقف تغير تماما حين تشمّر الغزالي للدفاع عن الحلّاج في كتابه « مشكاة الأنوار » « 1 » حيث اعتذر عنه وحمل أقواله التي أوخذ عليها ، من نحو قوله : أنا الحق ، على محامل حسنة ، وبرر ذلك بأنه إنما كان « من فرط المحبة وشدة الوجد » فأثار بذلك اهتمام المصنفين « 2 » .
أما الحنابلة فقد راح الحلّاج عندهم لمعارضته الدولة مثلهم ولوقوف ابن عطاء إلى جانبه ، ثم يبدو أن الأمور قد تغيّرت في ما بعد بحيث وجدنا أحد الحنابلة وهو أبو الوفاء علي بن محمد بن عقيل العقيلي ( ت 513 هـ / 1119 - 20 م ) يتوب عن الاعتزال ويقرن ذلك بإعلانه أنه « رجع عن اعتقاده كون الحلّاج من أهل الحق والخير وأنه قد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك وأن الحلّاج قتل بإجماع علماء أهل عصره على زندقته وأنهم كانوا مصيبين في قتله وما رموه به » « 3 » ، وحدث هذا سنة 465 هـ / 1072 م « 4 » .
وعاد الموقف فانقلب من جديد في صالح الحلّاج وذلك حين تصدى الشيخ عبد القادر الجيلي ( بن موسى بن عبد اللّه الحنبلي ، ت 561 هـ / 1166 م ) لتصحيح أقوال الحلّاج والدفاع عنه دفاعا مجيدا وذلك في قوله : « عثر الحلّاج فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده ، ولو كنت في زمنه لأخذت بيده » « 5 » .
ومن أقوال الجيلي في هذا المجال أيضا : « طار واحد من العارفين إلى أفق الدعوى بأجنحة : « أنا الحق » . رأى روض الأبدية خاليا عن الحسيس والأنيس . صفر بغير لغة تعريضا لخيفة ( لحتفه ) . ظهر عليه عقاب الملك من مكمن :إِنَّ اللَّهَ نعني( غَنِيٌّ ) عَنِ الْعالَمِينَ، ( آل عمران 3 / 97 ) . أنشب في إهابه مخلاب :كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، ( أيضا 3 / 185 ) قال له : شرع سليمان الزمان ( كذا ) ثم تكلمت بغير لغتك ثم ترنمت بلحن غير معهود من
..................................
( 1 ) انظر مثلا : مرآة الجنان لليافعي ( أبي محمد عبد اللّه بن أسعد ، 698 - 768 هـ / 1298 - 1367 م ) ، ط حيدر آباد 1918 - 20 م ، 2 / 253 ، تاريخ ابن الوردي 1 / 257 ، روضات الجنات للخوانساري ( محمد باقر ت 1313 هـ / 1895 م ) ، طهران 1307 هـ / 1889 - 90 م ، ص 226 .
( 2 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 3 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 4 ) انظر : البداية والنهاية لابن كثير 12 / 105 .
( 5 ) مرآة الجنان لليافعي 2 / 254 .
« 87 »




تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

11 …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي



11 
« 76 »
39 - كتاب كيف كان وكيف يكون .
40 - كتاب الوجود الأوّل .
41 - كتاب الكبريت الأحمر « 1 » .
42 - كتاب السّمري وجوابه معروف أن السّمري من أتباع الحلّاج وكانت ابنته مع أسرة الحلّاج في السجن ، وهي التي شهدت عليه .
43 - كتاب الوجود الثاني .
44 - كتاب « لا كيف » .
45 - كتاب الكيفية والحقيقة ( لعلها في الحقيقة أو بالحقيقة ) .
46 - كتاب الكيفية والمجاز ( لعل الصحيح بالمجاز أو في المجاز ، كما ورد في طبعة ليبزج ، ولكلّ وجه ) .
هذا ما ذكره ابن النديم من كتب الحلّاج . ونضيف نحن ما يكمل عدتها من محصولنا من أخبارها .
47 - كتاب « الإحاطة والفرقان » ( في أن الأئمة اثنا عشر على نسق الأهلّة في قوله تعالى :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً )، وقد ذكره المقدسي وحده في البدء والتاريخ ( 5 / 26 ) .
48 - كتاب أنفاس النور ، كما في حقائق التفسير للسلمي ( ص 683 ) .
49 - كتاب في السحر ، لم يقع لنا عنوانه وربما كان كتاب الصيهور ( رقم 5 ) وقد ذكر ذلك ابن تيمية فقال فيه « وصنّف كتابا في السحر معروفا وهو موجود إلى اليوم » « 2 » .
...............................
( 1 ) يذكّر هذا الكتاب بمثيل له من تأليف عبد الوهاب الشعراني الصوفي المتأخر ( ت 973 هـ / 1565 م ) .
( 2 ) جامع الرسائل لابن تيمية ، المجموعة الأولى تحقيق د . محمد رشاد سالم ، مصر 1389 هـ / 1969 م ، رسالة في الجواب عن الحلّاج هل كان صديقا أو ( الصحيح أم ) زنديقا ، ص 187 - 199 ، وهذه الإشارة في ص 188 .
« 77 »
- الديوان ، وواضح أن هذا الثبت ينقصه الديوان الذي نحن بصدد التقديم له ، غير أنه تمّ جمعه على أيدي كثير من محبي الحلّاج على مرّ العصور حتى جمعه ماسينيون من مظانّه المختلفة ونشره لأول مرة في الصحيفة الآسيوية ( الفرنسية ) في المدة بين كانون الثاني وآذار ( يناير - مارس ) 1931 م ، وطبع بعد ذلك في كتاب منفصل ، وصدرت طبعته الثالثة - وهي التي اعتمدنا عليها في المقابلة والتحقيق والمناقشة - في باريس 1955 م .
ومن الملاحظ أن تحريم كتب الحلّاج قد أثمر ، فلم يبق الزمن من مصنّفات الحلّاج إلا على كتاب الطواسين الذي ذكر ماسينيون أنّه هرّب من سجن الحلّاج على يد صديقه وتلميذه أحمد بن عطاء الأدمي .
حتى كتاب السياسة والخلفاء والأمراء ، الذي كانت منه نسخة في مكتبة الوزير علي بن عيسى لم يبق عليه الزمان .
ولعل المستقبل يميط اللثام عن شيء من مصنفات هذا الصوفي لنطّلع عليها ونستطيع أن نصدر حكمة أقرب إلى الصواب




تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇 
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11

الأحد، 9 نوفمبر 2025

١٠ـ…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


« 73 »
والطلسمات والكيمياء « 1 » الذي كان أبو عبد الرحمن السلمي ( محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري ، ت 412 ه / - 1022 م ) يملك نسخة منه في نيسابور « 2 » .
6 - كتاب تفسير : قل هو اللّه أحد .
7 - كتاب الأبد والمأبود .
8 - كتاب القرآن والفرقان والقرآن هو الاقتران ، ويبدو أنّه بحث في معنى القرآن المتصل بالقراءة ومعنى الفرقان المتصل بمعنى الفصل وبيان الحدود الواضحة بين الحق والباطل .
9 - كتاب خلق الإنسان والبيان « 3 » .
10 - كتاب كيد الشيطان وأمر السلطان « 4 » .
11 - كتاب الأصول والفروع .
12 - كتاب سرّ العالم والمبعوث .
13 - كتاب العدل والتوحيد « 5 » .
...................
( 1 ) هذه العبارة من الحاشية المشار إليها .
( 2 ) انظر تاريخ بغداد 2 / 249 .
( 3 ) لعله كتاب« خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ »باعتباره تفسيرا لهذه الآية ( الرحمن 55 : 4 ) وهو موضوع أكثر الحلّاج من الكتابة فيه كما يبدو .
( 4 ) لعله في تفسير سورة يوسف في ما يتصل بقوله تعالى :( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً )( آية : 5 ) وكون يوسف قد غدا عزيز مصر .
( 5 ) لعل هذا الكتاب في نقض رأي المعتزلة الذين جعلوا عقيدتهم في هاتين الفكرتين ، وربما كان الكتاب في تصحيح الفكرة أو تناولها تناولا آخر لما عرف عن الحلّاج من محاولة لتكوين عقيدة كلية تعم التقاليد كلها . ومهما يكن الأمر فقد ذكر ابن الجوزي ، -
« 74 »
( 1 ) هذه العبارة من الحاشية المشار إليها .
( 2 ) انظر تاريخ بغداد 2 / 249 .
( 3 ) لعله كتاب« خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ »باعتباره تفسيرا لهذه الآية ( الرحمن 55 : 4 ) وهو موضوع أكثر الحلّاج من الكتابة فيه كما يبدو .
( 4 ) لعله في تفسير سورة يوسف في ما يتصل بقوله تعالى :( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً )( آية : 5 ) وكون يوسف قد غدا عزيز مصر .
( 5 ) لعل هذا الكتاب في نقض رأي المعتزلة الذين جعلوا عقيدتهم في هاتين الفكرتين ، وربما كان الكتاب في تصحيح الفكرة أو تناولها تناولا آخر لما عرف عن الحلّاج من محاولة لتكوين عقيدة كلية تعم التقاليد كلها . ومهما يكن الأمر فقد ذكر ابن الجوزي ، -
« 74 »
14- كتاب الساسة والخلفاء والأمراء « 1 » ، الذي نرجّح أنه كتبه لعلي ابن عيسى الوزير ، وقد وجد في خزانة كتبه كما مرّ .
15 - كتاب علم البقاء والفناء ( في التصوف ) .
16 - كتاب شخص [ لعله تشخص ] الظلمات .
17 - كتاب نور النور .
18 - كتاب المتجليّات ( لعله التجليات ) .
19 - كتاب الهياكل والعالم والعالم .
20 - كتاب مدح النبي والمثل الأعلى .
21 - كتاب الغريب الفصيح ( لعله في اللغة ) .
22 - كتاب اليقظة وبدء الخلق .
23 - كتاب القيامة والقيامات .
24 - كتاب الكبر والعظمة .
25 - كتاب الصلاة والصلوات .
26 - كتاب خزائن الخيرات ، ويعرف بالألف المقطوع والألف المألوف « 2 » .
..............
نقلا عن الصولي - وهو خصم للحلّاج - أنه قال : « رأيت الحلّاج وخاطبته ، فرأيته جاهلا يتعاقل وغبيا يتبالغ ( لعلها يتذاكى ) وفاجرا يتزهد . وكان ظاهره أنه ناسك صوفي ؛ فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال صار معتزليا أو يرون الإمامة صار إماميا . . . أو رأى أهل السنة صار سنيا . . . وكان ينتقل في البلدان » ( المنتظم 6 / 161 ) واللّه أعلم .
( 1 ) كتاب الساسة ( لا السياسة ) ليناسب ( الخلفاء والأمراء ) بعد .
( 2 ) يذكر هذا العنوان بكتاب « عطف الألف المألوف على اللام المعطوف » لأبي الحسن الديلمي ( علي بن محمد من رجال القرنين الرابع والخامس الهجريين - العاشر والحادي عشر الميلاديين ) الذي حققه ج . ك . قاديه وطبعه في مطبعة المعهد الفرنسي بالقاهرة سنة 1960 م . وترد في كتاب عطف الألف المذكور أخبار عن الحلّاج وهو من المراجع التي لم يطلع عليها ماسينيون . والظاهر أن كتاب الحلّاج المذكور هو « الألف المعطوف والألف المألوف » فجاء الديلمي واستعار الصيغة معدلة .
« 75 »
- كتاب موابيد ( لعلّه مواجيد ) العارفين .
28 - كتاب خلائق القرآن الاعتبار .
29 - كتاب الصدق والإخلاص « 1 » .
30 - كتاب الأمثال والأبواب .
31 - كتاب اليقين .
32 - كتاب التوحيد .
33 - كتاب« النَّجْمِ إِذا هَوى »( في تفسير هذه الآية ، بحذف الواو من أوّلها ( سورة النجم 53 : 1 ) ، وخصوصا بقية معناها :( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (إلخ ) .
34 - كتاب« الذَّارِياتِ ذَرْواً »( في تفسير سورة الذاريات : رقم 51 وخصوصا قوله تعالى :( إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ )( الذاريات 51 : 5 ، 6 ) كما يبدو لنا ) .
35 - كتاب في« إِنَّ الَّذِيأنزلالْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ »( لعله في الرجعة ) وصحة الآية بالفعل« فَرَضَ عَلَيْكَ »لا « أنزل » ( القصص 28 : 85 ) .
36 - كتاب الدرة إلى نصر القشوري .
37 - كتاب السياسة إلى الحسين بن حمدان .
38 - كتاب هو هو .
...................
( 1 ) يذكّر هذا العنوان بما ورد من أخبار محاكمة الحلّاج من أنه أحال إلى كتاب الإخلاص للحسن البصري باعتباره مصدرا للمادة التي ذكرها عن إمكان الاستغناء عن الحج بطريقة أخرى غير شدّ الرحال إلى مكة المكرمة . وقد ذكر أن المصدر كان « كتاب السنن » للحسن البصري وكذا كتابا شيعيا إسماعيليا . والظاهر - واللّه أعلم - أن الحلّاج كان يحيل على كتابه هذا الذي ضمّنه تخريجات أخباره وأسانيده .
« 76 »


تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام:
 👇👇👇👇 
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٩ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


مصنفات الحلّاج
خلّف الحلّاج عددا من الكتب التي نوّه عنها في المحاكمات ومنع تداولها بعدها ، وقد ذكر ابن النديم قائمة بها ندرجها في ما يلي عن طبعة ليبزج 1872 م ، ص 192 ، وطبعة مصر ، ص 271 .
1 - كتاب طاسين الأزل والجوهر الأكبر والشجرة النورية ، ويبدو أنه كتاب الطواسين الذي نشره ماسينيون سنة 1913 م محققا عن نسخ مخطوطة في إسطنبول ولندن مع حواش منقولة من كتاب روزبهان البقلي « شرح شطحيات » الآتي في الديوان .
2 - كتاب الأحرف المحدثة والأزلية والأسماء الكلية .
3 - كتاب الظلّ الممدود والماء المسكوب والحياة الباقية ( في تفسير قوله تعالى :( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . . . )( الواقعة 56 : 30 - 32 ) ، في صفة أهل الجنة وحياتهم الباقية ) .
4 - كتاب حمل النور والحياة والأرواح .
5 - كتاب الصيهور « 1 » ( في نقص الدهور ) ( في علم الحروف
..................................
( 1 ) في طبعة ليبزج وردت « الصيهور » على « الصهيون » وفي طبعة مصر « الصهيور » والتصحيح من حواشي الطواسين « ص 142 » حيث أشار ماسينيون إلى وروده في كتاب « سلام الوصول » لحاجي خليفة ، مخطوط مكتبة شهيد علي بإسطنبول رقم 1887 باعتباره كتابا في علم الحروف والطلسمات والسيمياء والكيمياء ، وواضح أن المقصود من السجعة « الصيهور » لا غيرها .
ومعروف أن هذا الكتاب قد ضاع لكن ماسينيون أحال على فقرة منه وردت في مقدمة -- كتاب قناطر الخيرات للجيطالي ( أبي طاهر إسماعيل بن موسى النفوسي ، ت 750 هـ / 1349 م ) وحدد مكانها بالصفحتين 3 و 4 من جزئه الأول . وواضح أن ماسينيون يشير إلى نسخة مطبوعة هي التي طبعها الشيخ محمد يوسف الباروني في المطبعة البارونية بمصر سنة 1307 ه / 1890 م وإلى ذلك أشار عمرو خليفة التامر محقق الطبعة الجديدة ( مصر ، مكتبة وهبة ، 1965 م ، المقدمة 1 / 2 ) لكن نص العبارة غير محدد إلا بقول ماسينيون في صفة الجيطالي بأنه « أعاد استعمال مقدمة كتاب الصيهور للحلّاج في رأس كتابه قناطر الخيرات » .
[ حياة الحلّاج بعد موته ، لماسينيون ترجمة أكرم فاضل « مجلة المورد » البغدادية ، المجلد الأول ، العدد 3 ، 4 ، 1972 م ، ص 64 ب . ]
وإذا صح ذلك فلا بد أن المقصود بهذه الفقرة النص السابق على عبارة « أما بعد » ( في قناطر الخيرات 1 / 2 ) وننقل هنا نصها إتماما للفائدة وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من التحقيق . نص العبارة : « الحمد للّه المتوحد بالألوهية والكبرياء ، المنفرد ( المتفرد ) بالديمومة والبقاء ، المتقدس عن نقائص العاهات ، تعالى عن العيوب والآفات . خلق كل شيء فقدره ، واخترع الإنسان وصوره . خضع كل شيء لهيبته ، وتواضع كل شيء لعظمته ، وذلّ كل شيء لعزته ، واستسلم كل شيء لجبروته . لم يزل عالما بجميع المحدثات على ما هي عليه من الصفات : من تفاصيل أجناسها ومجاري أنفاسها ، قبل وجود أعيانها وجريان أزمانها . شاءها الحكيم في أزليته فظهرت على وفق مشيئته ، ليس له شريك في إنشائها ولا ظهير في إيجادها . أنشأها لا من شيء معه موجود ، وأتقنها على غير مثال معهود . اخترعها دلالة على قدرته ، وتحقيقا لما في إرادته ، وما خلق الجن والإنس إلا لعبادته . عالم في الآزل لما هم عاملون ، وبآجالهم التي إليها ينتهون ، وبأرزاقهم التي هم لها آكلون ؛ فهم لما علم منهم منقادون ، وعلى ما سطر في كتابه المكنون ماضون . فجميع ما وجد بعد العدم من الأشياء والأمم فقد سبق به من اللّه القضاء ، وجف به القلم . فالآجال محدودة والأنفاس معدودة ، والأرزاق مقسومة ، والأعمال محتومة ، والآثار محسوبة ، وفي اللوح مكتوبة . لا يستأخر شيء عن أجله ولا يسبقه قبل حلول محله ، ولا يفوت أحدا رزقه المقسوم ، ولا يتعدى ما قدر له في أمره المحتوم . سبقت كلمته الحسنى لعباده المرسلين وأوليائه المخلصين كما حق القول منه لأعدائه الغاوين : كل ميسّر لما خلق له ولا يتجاوز ما وقت له . يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون ، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون .
أحمده حمد من أخلص له الإبانة وأدعوه دعاء مؤمّل من الإجابة ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه الملك المحمود ، الذي ليس بوالد ولا مولود . وأشهد أن محمدا عبده المرتضى ورسوله المصطفى أرسله إلى الثقلين بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، فبلّغ به رسالة ربه ، ناصحا لأمته حتى أتاه من ربه اليقين ، بعد كمال الدين .
صلى اللّه عليه وعلى آله الطيبين الأخيار ، وأصحابه المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم تشخص فيه الأبصار » .
[ قناطر الخيرات 1 / 1 - 2 . ]
« 73 »


تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام:
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٨…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


« 70 »ومن أسما النساء : ناعسة ، جميلة ، لطيفة ، فاطمة ، خديجة ، ظريفة ، عزيزة ، صبحة ، عائشة .ومن أسماء الرجال : صالح ، محمد ، أحمد ، سعيد ، يوسف ، إبراهيم ، حسن ، مصطفى ، عبد الكريم ، عبد اللطيف ، عبد الهادي ، عبد اللّه ، خليل ، سعد الدين ، ونعيم الذي يسير على درب التصوّف وهو لا يزال في العقد الثالث من العمر ؛ ويصوم الأشهر الثلاثة ، رجب وشعبان ورمضان كل عام ، غير الأيام المتفرقة ، ويقوم بالصلاة في أوقاتها وبالزكاة ويقوم الليل وذلك معروف عنه في الرمثا حيث يعيش . وقد أوردت الرأي عن شيخ المسجد والقاضي الشرعي في تلك البلد ( كذا ) ، ونأمل أن يوفّقه اللّه على طريق حبّ الذات الإلهية .ومن أفراد العائلة يوجد فروع :في مدينة حلب بسوريا منهم مصطفى الحلّاج والمحامي وجيه الحلّاج .وفي مدينة دمشق محمد الحلّاج في الجيش العربي السوري . وفي مركز بلبيس في المحافظة الشرقية ج . م . ع .بالإضافة إلى ما ذكرنا سابقا .وليسدّد اللّه خطاكم على طريق الخير .محمد شريف سعيد أحمد صالح حسين السيد حموّدة الحلّاج الجهراء - الكويت12 -12-1968م »* * * 
مصنفات الحلّاج شرح ديوان الحسين ابن المنصور الحلاج د. كامل مصطفى الشيبي
شرح ديوان الحسين ابن المنصور الحلاج د. كامل مصطفى الشيبي استاذ بجامعة بغداد
مصنفات الحلّاج
خلّف الحلّاج عددا من الكتب التي نوّه عنها في المحاكمات ومنع تداولها بعدها ، وقد ذكر ابن النديم قائمة بها ندرجها في ما يلي عن طبعة ليبزج 1872 م ، ص 192 ، وطبعة مصر ، ص 271 .




تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٧ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي

« 66 »
وفرعون مثلين صارخين لمّا رفض الأول السجود لآدم ورفض الثاني الاعتراف بنبوّة موسى كما مرّ . وقد أراد الحلّاج بذلك وبقوله : « على دين الصليب يكون موتي » أن يكون هو المثل ، الثالث الذي يضرب على التضحية والفداء وأن يتقدم على المسيح ( ع ) في ذلك لأنّ الحلّاج صبر على المحنة ولم يتأوه ، والمسيح ( ع ) قد جزع وهو على الخشبة فدعا اللّه في ألم وضيق صدر قائلا : « إيلي ، إيلي ، لمّا شبقتني ، أي : إلهي ، إلهي لماذا تركتني » « 1 » .
ومن هنا ذكر عن الحلّاج أنه « لما أتي ليصلب ورأى الخشب والمسامير ضحك كثيرا » . وذكر أنه قال : « إلهي أفنيت ناسوتيّتي في لاهوتيّتك « 2 » ، فبحقّ ناسوتيّتي على لاهوتيّتك أن ترحّم على ( كذا ) من سعى في قتلي » « 3 » .
وبعد قتل الحلّاج « أحلف الورّاقون ألا يبيعوا شيئا » « 4 » . من كتبه « ولا يشتروها » « 5 » .
خلف الحلّاج : وذهب الحلّاج وخلّف وراءه زوجة وآلهة ، وأولادا نعرف منهم ابنه سليمان الذي وعد أبوه ابنة السمري بتزويجها منه ، وأحمد ( أو حمد ) الذي روى أخباره ، وعبد الصمد الذي ذكر أنه كان السبب في تأسيس الطريقة الحلّاجية « 6 » ! وابنة جاء ذكرها في خبر الفتاة المذكور في صلة عريب على
.........................
( 1 ) إنجيل متى 27 : 26 ، مرقس 15 : 24 ، وانظر مقالا للدكتور فؤاد حسنين ، بعنوان :
« إلهي إلهي ، لماذا تركتني » في جريدة الأخبار القاهرية عدد يوم 25 / 4 / 1970 ص 12 .
( 2 ) حياة الحيوان للدميري 1 / 245 ، عن مفاتيح الكنوز لعز الدين بن عبد السلام .
( 3 ) مرصاد العباد من المبدأ إلى المعاد لنجم الدين الرازي ( أبي بكر عبد اللّه بن محمد بن شاهاور الأسدي ، ت 645 هـ / 1247 م ) ، طهران 1377 هـ ص 189 وهي عبارة تذّكر بقول المسيح ( ع ) « لما مضوا به إلى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره فقال يسوع : يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون . . . » ( إنجيل لوقا الأصحاح 23 الآية 33 ، 34 ) . وهذا المعنى ورد على لسان النبي ( ص ) في قوله : « رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » ( البخاري ، أنبياء ، الطبعة الأولى 54 ، مرتدين 5 ، صحيح مسلم ، جهاد 104 ، سنن ابن ماجة فتن 23 ، مسند ابن حنبل 1 / 380 ، 427 ، 432 إلخ . . . ) .
( 4 ) تجارب الأمم تحقيق ه . ن . أمدروز ، مصر 1334 هـ / 1914 م ، ص 82 .( 5 ) تجارب الأمم تحقيق ه . ن . أمدروز ، مصر 1334 هـ / 1914 م ، ص 82 .
( 6 ) انظر « السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين » لمحمد بن علي السنوسي المؤسس -

« 67 »
هامش تجارب الأمم ( 1 : 86 ) ، وأختا جميلة كانت تحتقر الرجال ولا تحتجب منهم « 1 » ، وتقول : « الحلّاج نفسه نصف رجل لإفشائه الأسرار الإلهية ، فكيف بباقي الرجال » « 2 » .
ومن الاكتشافات التي أعتز بها حقا أني التقيت في أثناء إيفادي إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية في السنة الجامعيّة 1967 - 68 م بأخ فلسطيني من خريجي قسم الجغرافية بهذه الكلية سنة 1967 م تسمّى لي فإذا هو يحمل لقب « الحلّاج » ، وكان ذلك في الثاني من نيسان ( أبريل ) 1968 م .
وسألته عن معنى اللقب فذكر أنه ينتمي إلى الحسين بن منصور الحلّاج ، وأن الأسرة كانت تحتفظ بشجرة نسبها عند « علي أحمد الحلّاج » في قلقيلية في الأردن فضاعت بوفاته .
والأخ الفلسطيني المذكور هو محمد شريف ( بن سعيد بن أحمد بن صالح بن حمّودة بن مصطفى الحلّاج ) ويعمل مدّرسا في مدرسة الجهراء المتوسطة للبنين في الجهراء بالكويت . وبناء على رجائي بعث إلي برسالة
..........................
- ( 1202 - 1276 هـ ، 1787 - 1860 م ) ؛ مطابع دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1388 ه / 1968 م ص 37 ) ووصف السنوسي الحلّاج بأنه « صاحب الخرقة شطاح العراق رئيس السكارى والعشاق سيدي أبو المغيث حسين بن منصور بن أبي بكر الأنصاري الحلّاج رحمه اللّه وأثابه ، ووصفه قبل هذه السطور بالإمام ووصف طريقته بأنها « طريقة السادة الحلّاجية باعتبار أن « مبناها على الجمع باللّه ويتعلمون في تحصيله بذكر الجلالة بعد طرح الألف واللام منها وتحريك الهاء بالحركات الثلاث [ لاه ، لاه ، لاه ! ] ويضرب بالمضمومة على اليمين والمفتوحة على اليسار والمكسورة على القلب » . وزاد السنوسي بأن هذا الذكر « فوائده كثيرة » واستدرك بأنه « إلا أنه لا يجوز الذكر به إلا في الخلوة لعالم بالمدرك . وقال : هذا وقد علا [ الصحيح غلا ] كثير من المنتسبين إلى هذه الطائفة في المشرب فأفشوا كثيرا مما يجب كتمانه حتى اغتر به طائفة خذلهم اللّه تعالى ، والعياذ باللّه من مكره » ( ص 37 ) .
( 1 ) مرصاد العباد من المبدأ إلى المعاد لنجم الدين الرازي ، الباب الثاني ، الفصل الثالث . وانظر تاريخ إيران للسير جون مالكولم وترجمة ميرزا حيرت ( إلى الفارسية ) ، الهند 1323 ه / 1905 م ، ص 204 .
( 2 ) تاريخ كزيدة لحمد اللّه المستوفي القزويني ( ت 750 ه / 1349 - 50 م ) طبعة مصورة بليدن ، 1328 هـ / 1910 م ، ص 776 .
« 68 »
لاحقة في الثاني عشر من كانون الأول ( ديسمبر ) سنة 1968 م ألحق بها ثمرة جهده في جمع الأخبار المشتّتة عن الأسرة والمنتمين إليها الذين ينتشرون في العالم العربي كله ومنهم جماعة في أمريكا أيضا . وقال في رسالته المذكورة : « فقد قمت بذلك متفهّما لأسلوب البحث والدراسة والاستقصاء » ، وقال : « وكم كنت أود أن أوافيك بصورة عن المخطوطات وشجرة العائلة التي كانت محفوظة عند عمي الأكبر ولكن لم نعثر لها على أثر ، فقد لعبت نكبة فلسطين سنة 1948 م دورا في تشتيت أبناء شعب فلسطين وإضاعة الكثير من التراث . . . ولعدم اهتمام من توارثوا تلك المخطوطات وكتب الحسين بن منصور الشهيد ، لذلك فقد ضاعت بين النكبة وعدم الاهتمام ولكن حفظنا قصة حياة الشهيد الحلّاج الجد الأكبر جيلا بعد جيل بالسماع وبما كان يقرؤه الكبار من الكتب للصغار »وقد أرفق الأخ محمد شريف سعيد الحلّاج برسالته ، تلك كتيبا صغيرا عنوانه « قصة حسين الحلّاج وما جرى له مع علماء بغداد » من مطبوعات المكتبة الأدبية بحلب ، دون تاريخ ، وقد ورد على الغلاف أن هذه الرسالة « نقلت عن نسخة خطّية قديمة » . 
وهذه الرسالة مما غفل عنه ماسينيون وتتضمن رواية شعبية لقصة شهيد الصوفية ؛ وقد استعملناها في تحقيق بعض الأشعار التي وردت مصحّفة في المصادر الأخرى ، وأكملنا منها بعضها الآخر ، واستخرجنا منها مادة للأشعار التي تنسب إلى الحلّاج وهو أحد الملحقين اللذين ألحقناهما بالديوان .
أما نتيجة بحث الأخ الحلّاج ، التي ضمّنها ورقتين منفصلتين ، فيسرنا أن نثبتها في ما يلي بنصها :
« أستاذي الفاضل ،
لقد هاجر أحفاد الحسين بن منصور الحلّاج من العراق إلى مصر وعاش غالبيتهم في القاهرة.
ومن القاهرة هاجر حسين السيد حمّودة الحلّاج وأخوه محمد إلى برّ الشام ( فلسطين ) حيث نزل الحسين قرية قلقيلية .
أمّا أخوه محمد السيد حمّودة فنزل قرية ( المغار ) من قرى قطاع غزة 
« 69 »
 ، ومن هنا كان مركز أفراد العائلة في هاتين البلدتين في فلسطين . وفرع آخر من العائلة سكن في القرى المجاورة لمدينة يافا ، وهم الآن ( كذا ) بعضهم عاد إلى القاهرة حيث يسكنون العباسية ومنهم جماعة تسكن الزرقاء بالأردن بعد نكبة 1948 م التي أثّرت في أبناء شعب فلسطين وانتشارهم . والآن يوجد تركّز لأبناء العائلة في جبل الهاشمي ( مدينة عمان ) وفي مدينتي الزرقاء ، والرمثا بالأردن . وفي مدينة بغداد يوجد محمد خيري علي الحلّاج ، وفي أمريكا بولاية فلوريدا الدكتور محمد يوسف الحلّاج ، وهو منذ 13 سنة أستاذ في جامعة جاكسون قيل ، وآخرون في ألمانيا الغربية ويوغوسلافيا .
وجميع هؤلاء أحفاد الحسين بن السيد حمّودة الحلّاج الذي أنجب من الأولاد ثلاثة هم : يوسف وصالح ومحمد ، ومن نسلهم كان أفراد العائلة في قلقيلية وفي الأردن .
والابن الثالث لصالح بن الحسين السيد حمّودة ( محمد ) كان يرحمه اللّه مثالا للصلاح والتقوى ، يحترمه جميع أبناء البلد منذ صغره إلى أن توفي شيخا وقورا دون أن يتزوج ، زاهدا بالحياة الدنيا ، ولحب واحترام العائلة له فقد أطلق اسمه على العديد من أبناء العائلة .
ويقال عن شيخ آخر من أفراد العائلة - وهذا سمعنا قصته بعد النكبة ونحن نعيش في مدينة إربد - فقد علمنا أنه كان يعيش في قرية الطيبة بني علوان في غور الأردن وكان وحيدا يعمل في أرضه ، ومتدينا يعيش في منزل في أرضه ، بعيدا عن منازل القرية يتعبد . وبعد موته أقيم له ضريح . ولعدم وجود وريث له ، قسّمت الأرض بين جيرانه . ومحدّثنا أخذ نصيبه من ذلك .
وهو برغم كبر سنه يذكر ذلك الرجل الحلّاج وتقواه .
ومن المتصوفين المرحوم مصطفى الحلّاج الذي عاش في قرية رمانة إلى الشمال من الطيبة في فلسطين وعاش متعبدا دون أن يتزوج .
ومن نساء العائلة المتصوفات : عائشة بنت صالح بن الحسين الحلّاج التي عاشت متدينة تعشق الوحدة وتقوم الليل إلى الفجر .
(٧٠)
صور

تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام:
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٦…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي

 « 4 » والنار التي نهي عنها لأنهالأنها
.................................
( 1 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري ، ( ت 567 و / 1171 - 2 م ) ، مصر 1354 - 1369 هـ / 1935 - 1950 م . وهيئة الجلد بالسوط لها أحكام ، « فالسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين لا شديدا ولا لينا » وأما موضع الضرب من الجسم فعند مالك أنه « لا يجزى عنده إلا في الظهر ، وأصحاب الرأي [ - الحنفية ] والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف ، وهو قول علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه » ، وقال الشافعي : « إن كان مدّه صلاحا مدّ » . وفي هذه الحالة يجرّد المضروب « إلا في حال القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه . . . » . 
واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود فقال مالك : « الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر وكذلك التعزير وقال الشافعي وأصحابه يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء . . . واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور يتقى الرأس وقال أبو يوسف : يضرب الرأس ، وروى عن عمر وابنه مقالا : « يضرب الرأس » . أما الضرب نفسه فينبغي « أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه وبه الحكّام . ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك وكذلك كانت الصحابة تفعل » . أيضا ( 12 / 161 ) .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير 11 / 135 .
( 4 ) انظر نيل الأوطار للشوكاني ( 7 / 161 ) ذلك أنهم « إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا -
« 62 »
مثلة « 1 » ثم نصب الرأس والأعضاء الذي لا يكون إلّا للخارج « 2 » ، مع تنفيذ كل ذلك علنا وأمام الناس « 3 » . كل ذلك تنفيذا لتوقيع الخليفة الذي كتب في التصديق على حكم الإعدام : « إذا كان [ القضاة ] قد أفتوا بقتله وأباحوا دمه ، فلتحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة وليتقدّم إليه بتسليمه وضربه ألف سوط .
فإن تلف تحت الضرب ، وإلا ضرب عنقه » « 4 » ، وهو حكم أورد مسكويه فيه تفصيلات أخرى ، فذكر أن الخليفة ضمنّها كتابه في قوله : « . . . واضربه ألف سوط ، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه ثم اضرب رقبته وانصب رأسه وأحرق جثته » « 5 » .
وإذ كان محمد بن عبد الصمد ، صاحب الشرطة ، يتخوّف من أنصار الحلّاج ويخشى « أن ينتزع من يده » « 6 » ، « وقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة ( إلى دار حامد بن العبّاس حيث كان معتقلا ) ومعه جماعة على بغال موكفة يجرون مجرى السّاسة ، وليجعل [ الحلّاج ] على واحد منها ويدخل في غمار القوم » « 7 » .
وانتهى الأمر بأن نفّذت هذه الخطة ، و « ركب غلمان حامد
...........................
- وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض . . » اما مدة الصلب فالرأي فيه كثير فقوم رأوا أن يستمر « حتى تنتثر عظامه » وآخرون أن يكون « حتى يسيل صديده » وقال بعض أصحاب الشافعي : « ثلاثا في البلاد الباردة وفي الحارة ينزل قبل الثلاث » ( أيضا : 7 / 165 ) .
( 1 ) أيضا 7 / 164 .
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ( أحمد بن محمد المرواني ت 328 ه / 940 م ) ، مصر 1948 - 1953 م ، 4 / 461 - 2 .
( 3 ) وذلك تحقيقا لقوله تعالى في الزانيين« وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »( النور 24 : 2 ) وعليه قيس غيره من الحدود ، والحكمة فيه مختلفة وقد أورد القرطبي لذلك الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس وأن ذلك يردع المحدود وأن من شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله » الخ . . . ( الجامع لأحكام القرآن 12 / 164 ، 167 )
( 4 ) أربعة نصوص ، نص ابن زنجي ، 1 / 12 .
( 5 ) تجارب الأمم ، 5 / 160 .
( 6 ) المنتظم 6 / 163 - 4 وفيه العبارة واضحة ، وهي مصحفة في تجارب الأمم 5 / 160 .
( 7 ) المنتظم 6 / 163 - 4 وفيه العبارة واضحة ، وهي مصحفة في تجارب الأمم 5 / 160 .
« 63 »
معه حتى أوصلوه إلى الجسر » ، مكان الإعدام « 1 » ، وكان ذلك ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة « 2 » . أما الحرّاس « فباتوا مجتمعين حوله » « 3 » .
وأمّا الحلّاج ، فلمّا أصبح الصباح « أخرج ليقتل ؛ فجعل يتبختر في قيده وهو يقول ( بقول أبي النواس ) :
نديمي غير منسوب * إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشر * ب فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكسا * س دعا بالنّطع والسيف
كذا من يشرب الرا * ح مع التنّين في الصيف » « 4 »
وقبل أن يفوت الأوان ينبغي أن نلفت الأذهان إلى حقيقة غابت عن كثير من المصنّفين قدماء ومحدثين . ذلك أن الحلّاج لم يؤاخذ على عبارته المشهورة « أنا الحق » ، كما يتوهم الكثير وهي العبارة التي قيل : إن الجنيد البغدادي تنبأ له بالقتل بسبب صدورها عن الحلّاج - بل يبدو من سياق المحاكمة من تصوير كتب التاريخ والتصوّف لها أنّ أشياء أخرى فقهية في الظاهر وسياسية في الواقع هي التي أودت بحياة الجلاج . 
ومما يجلو هذه المسألة أنّ الحلّاج نفسه ظلّ متشبثا بقوله « أنا الحق » في « الطواسين » - وهو الكتاب الذي ألّفه في أخريات أيّامه حين كان سجينا في دار السلطان - كما يأتي في فقرة مصنّفاته .
وقد قال الحلّاج في الطواسين : « تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوّة ؛ فقال إبليس : إن سجدت سقط عنّي اسم الفتوّة ، وقال فرعون : إن آمنت برسوله سقطت من منزل الفتوّة . 
وقلت أنا : إن رجعت عن دعواي سقطت من منزل الفتوّة وقال إبليس : أنا خير منه حين لم يراء ( ير ) غيره غيرا ، وقال فرعون : ما علمت لكم من إله غيري ، حين لم يعرف في قومه من يميّز بين الحقّ والباطل .
...........................
( 1 ) تجارب الأمم 5 / 161 .
( 2 ) المنتظم 6 / 164 ، وانظر تجارب الأمم أيضا : 5 / 161 .
( 3 ) المنتظم 6 / 164 ، وانظر تجارب الأمم أيضا : 5 / 161 .
( 4 ) أيضا : 6 / 164 ، وراجع باب « أشعار تنسب إلى الحلّاج » في آخر الديوان .
« 64 »
وقلت أنا إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره ، وأنا ذلك الأثر وأنا الحق ، لأنيّ ما زلت أبدا بالحقّ حقا » . ( ص 50 - 51 ) .
ومع أن الحلّاج ذكر بنفسه أنه طالما اتّهم بالزندقة في قوله : « المنكر في دائرة البرّاني وأنكر حالي حين لم يراني ( يرني ) وبالزندقة سمّاني وبالسوء رماني » ( الطواسين ، ص 29 ) ، لم يرد في محاضر المحاكمة شيء يتّصل بمسؤوليته عن تلك العبارة ولا هذا الرأي .
والنتيجة أن الموت صار الحكم على هذا الصوفي المتّهم .
وبرز الحلّاج إلى ساحة الإعدام في رحبة الجسر « 1 » بباب خراسان « 2 » في الجانب الغربي من بغداد « 3 » ، شيخا في الخامسة والستين « ابيض الشعر واللحية . . . له علامة في رأسه هي ضربة » « 4 » . « واجتمع عليه خلق كثير » « 5 » ، وتقدّم الحلّاج فصلى الركعتين اللتين سنّهما خبيب بن عديّ قبل القتل في الإسلام الأول « 6 » ، « فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وبعدها :( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ، وَالْجُوعِ )( الآية البقرة 2 : 155 ) ، ثم في الثانية فاتحة الكتاب وبعدها :( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ )( الآية آل عمران 3 : 185 ) « 7 » .
ومبالغة في التعذيب « تقدم أبو الحارث السيّاف فلطمه لطمة هشّم بها وجهه وأنفه » « 8 » ، ثم ضرب نحوا من ألف سوط « 9 » . ؛ فلمّا لم يمت « قطعت
..................
( 1 ) صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي ، ليدن 1897 م ، ص 86 .
( 2 ) المنحنى الشخصي للحلّاج ، شخصيات قلقة في الإسلام ، ص 77 ، ويذكر الدميري أن ذلك قد تم بباب الطاق ( حياة الحيوان 1 / 245 ) [ - وموضعه مدينة الأعظمية من ضواحي بغداد الجنوبية الحالية حيث مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، ت 150 ه / 667 م ] .
( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 27 أربعة نصوص : نص ابن زنجي ، ص 12 .
( 4 ) الفهرست ص 270 .
( 5 ) حياة الحيوان للدميري 1 / 45 .
( 6 ) شرح لامية العجم للصفدي 2 / 181 .
( 7 ) حياة الحيوان 1 / 245 عن مفاتيح الكنوز لعز الدين بن عبد السلام .
( 8 ) تاريخ بغداد 8 / 127 ، والمراجع الأخرى تحدّد السياط بألف عدا .
( 9 ) تاريخ بغداد 8 / 127 ، والمراجع الأخرى تحدّد السياط بألف عدا .
« 65 »
يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ثم يده » « 1 » . ثم « ضربت عنقه وأحرقت جثته » « 2 » ، « فلما صار رمادا ألقي في دجلة » « 3 » . كل ذلك « دون أن يتأوّه » « 4 » « ونصب رأسه للناس على سور السجن الجديد » « 5 » « المعروف بالمترف » « 6 » « وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه » « 7 » .
« وفي يوم الاثنين سلخ ذي القعدة ، أخرج رأس الحسين بن منصور الجلاج من دار السلطان ليحمل إلى خراسان » « 8 » ، « لأنه كان له بها أصحاب » « 9 » . ثم ظلت الشرطة تلاحق أنصاره إلى سنة 312 هـ / 924 - 5 م ، حين أحضر « في مجلس الشرطة ببغداد . . . ثلاثة نفر من أصحاب الحلّاج ، وهم حيدرة والشعراني وابن منصور » « 10 » . 
فطالبهم « نازوك بالرجوع عن مذهب الحلّاج ، فأبوا فضرب أعناقهم ثم صلبهم في الجانب الشرقي من بغداد ، ووضع رؤوسهم على سور السجن في الجانب الغربي » « 11 » . وينبغي أن نذكر هنا ، وقبل أن تفوت الفرصة ، أنّ الحلّاج قد برّ بوعده للّه لمّا تعهّد ببذل دمه في سبيله حين قال : « تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي » .وكان يريد بذلك أن يضرب مثلا نادرا في الفتوة ضرب هو عليه إبليس
..........
( 1 ) تاريخ مختصر الدول لابن العبري ( أبي الفرج غريغوريوس بن آهرون الملطي ، ت 685 هـ / 1286 م ) بيروت ، 1890 م ، ص 156 ، والمصادر الأخرى تقول : « قطعت يداه ورجلاه » ويقول ابن الأثير بقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ( الكامل 8 / 39 ) .
( 2 ) التنبيه والإشراف للمسعودي ، مصر 1346 هـ ، ص 335 .
( 3 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 4 ) أيضا : 8 / 39 ، تاريخ مختصر الدول ص 156 .
( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 6 ) التنبيه والإشراف للمسعودي ، ص 335 . وكان في دار الخلافة خزانة تحفظ فيها الرؤوس وقد احترقت سنة 601 هـ / 1204 م ، وكان فيها رؤوس كثيرة من جلة المعدمين ( انظر مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ، 8 / 523 ) .
( 7 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 8 ) المنتظم لابن الجوزي 6 / 167 . وقد وردت هذه الواقعة في حوادث سنة 310 هـ ، والصواب أنها في السنة التي قبلها .
( 9 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 .
( 10 ) المنتظم 6 / 189 .
( 11 ) المنتظم 6 / 189 .
« 66 »


تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٥ …شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي

( 5 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 .( 6 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 .( 7 ) المنتظم 6 / 156 .« 47 »بالترفيه عن الجياع بل سرعان ما استغاث العمّال وجميع أصحاب الأرزاق بأنه [ علي بن عيسى وكيل حامد بن العباس ] حطّ من أرزاقهم شهرين من كل سنة ، فكثرت الفتنة على حامد « 1 » . ومع هذا كله بقي حامد في دست الوزارة إلى سنة 311 هـ / 924 م « 2 » . فكان من سوء حظه أن وقع دم الحلّاج في رقبته . وقد صار الحلّاج شهيد الصوفية وراصّ بنيان التصوّف على مرّ العصور ، وباء حامد بن العباس بالفضيحة وسوء الصيت ، وغدا اسمه مقترنا بالحلّاج كما اقترن اسم هابيل بقابيل واسم يزيد بالحسين واسم يهوذا الأسخريوطي بالمسيح ( ع ) .وإذا عدنا إلى الحقائق المتصلة بالسنين الأخيرة للحلّاج وجدناه ينقل من سجن إلى سجن خشية إنقاذ أتباعه له حتى استقر به الاعتقال في حبس منيع ، في ما يبدو ، ليكون تحت مراقبة الشرطة حتى يفصل في أمره . ويبدو أنه لم يكن رهن الاعتقال في ما دعي عندئذ بالسجن الجديد ، وهو السجن الذي حدث فيه الشغب سنة 306 هـ المذكورة ، وفرّ منه كثير من السجناء .ولهذا أشار ماسينيون - دون دليل - إلى « أن الحلّاج رفض الفرار من حبسه » « 3 » . والظاهر أنه كان قبل ذلك في « دار السلطان » ، أي دار الخلافة كما يفهم من سياق الحوادث .
وفي المعتقل الجديد ظهرت مواهب الحلّاج وبراعاته من « حسن عبارة وحلاوة منطق وشعر على طريقة التصوف » « 4 » .
ووجد الحلّاج في السجن طمأنينته وهدوء نفسه ، فانصرف إلى العبادة حتى قيل إنه « استمال أهل الحبس
................................
( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 373 .
( 2 ) المنتظم 6 / 180 .
( 3 ) المنحنى الشخصي للحلّاج ( ضمن شخصيات قلقة في الإسلام ص 75 ) . ولم يعين ماسينيون مصدر هذه الواقعة وما نعرفه من ذلك يتصل بقصة أسطورية جاءت في تذكرة الأولياء للعطار ( 2 / 113 ) ومحفل الأوصياء ( للأردستاني : علي أكبر حسين ، من رجال القرن الحادي عشر الهجري [ السابع عشر الميلادي ] ، مخطوط دائرة الهند بلندن رقمEthe45G، ورقة 265 ب ، وفيها الحلّاج كسر قيود ثلاثمائة سجين ممن كانوا ينزلون السجن معه وأطلقهم من السجن دون أن يفعل هو فعلهم رضي بالمصير الذي اختاره له اللّه .
( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 112 .

« 48 »
بإظهار السنة فصاروا يتبرّكون به » « 1 » . وفوق هذا شغل الحلّاج نفسه بالتصنيف ؛ فعلاوة على كتاب « الطواسين » ، لا شك أنه كتب في السجن كتاب « السياسة والخلفاء» الذي ربما صنفه للمقتدر نفسه « 2 »، وكتاب « الدرّة » «3».
الذي صنّفه باسم نصر القشوري ، حاجب المقتدر؛ وكتاب « السياسة » الذي صنفه باسم الحسين بن حمدان « 4 »، القائد الذي قتله الخليفة بوشاية حامد بن العباس سنة 306 هـ / 918 - 19 م « 5 ».
وبهذا يتبين أن الحلّاج استمال موظفي القصر أيضا في فترة سجنه هذه ، وكان أولهم نصر القشوري الذي تسكت كتب التاريخ والسير عن ترجمته ( ت 316 هـ / 928 م ) « 6 » .
وقد ذكر - في ما يتصل بالصداقة التي توطدت أواصرها بين الحلّاج ونصر القشوري ، حاجب المقتدر - أنّ الأول « استغوى » الثاني « من طريق الصلاح والدين مما كان يدعو إليه » « 7 » ، وهو تعبير صاغه خصم لكنه يشفّ عن الجاذبية التي كان يتمتع بها الحلّاج حيال المحايدين من الناس ممن لا يدفعهم دافع ؛ من أوّل نظرة إلى الخصومة والتشنيع .
ولعلّ عبارة عريب القرطبي أدنى إلى أن خزانة علي بن عيسى الوزير كانت تحتوي على « دفتر منسوب إلى الحلّاج فيه آداب الوزارة » .
...............................
( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 112 .
( 2 ) الفهرست لابن النديم ص 272 .
( 3 ) ذكر الصابي ( أبو الحسن الهلال بن المحسّن ، 359 - 448 هـ / 970 - 1056 م ) في كتابه « الوزراء » ، ( أو « تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء » ، تحقيق عبد الستار أحمد فراج ، مصر 1958 ) ، ص 231
..................................
فلعل هذا يرجّح تصنيف الكتاب باسم الخليفة ، وإن كان تصنيفه باسم الوزير عندنا أرجح تألفا لقلبه أو اعترافا بجميله لعدم إعدامه سنة 301 هـ لما قبض عليه والاكتفاء بالتشهير به ثلاثة أيام ، على نحو ما مر ، باعتبار هذا العقاب الحد الأدنى الذي لم يمكن فرض أقل منه على الحلّاج استجابة لضغط الحكومة .
( 4 ) الفهرست ص 272 .
( 5 ) الفهرست ص 272 .
( 6 ) قال فيه ابن الجوزي : « حجب المقتدر باللّه وتقدم عنده وكان دينا عاقلا . وخرج إلى لقاء القرامطة محتسبا [ ومتطوعا مجاهدا ] فأنفق من ماله مائة ألف دينار إلى ما أعطاه السلطان ، فاعتل في الطريق ومات في هذه السنة ( 316 هـ ) فحمل إلى بغداد في تابوت » ( المنتظم 6 / 220 ) .
( 7 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 370 .
« 49 »
التعبير عن هذه الصلة الودّية بإفراغها في قوله : « وادّعى قوم أن نصرا مال إليه » « 1 » . لكن من الثابت أن نصرا كان يميل إلى الحلّاج إلى درجة الولاء وأنه ذهب في حمايته إلى حدّ مخاصمة علي بن عيسى في سبيله « 2 » .
وتطورت هذه المودّة إلى مدى بعيد ساغ معه لنصر القشوري أن يسمي الحلّاج بالشيخ الصالح « 3 »، وأن يقصد إلى دار الخليفة مستأذنا في « أن يبني له بيتا في الحبس » « 4 » .
وانتهى الأمر إلى أن ( بني له دارا بجنب الحبس وسدّوا باب الدار وعملوا حوله سورا وفتحوا بابه إلى الحبس ، وكان الناس يدخلون عليه قريبا من سنة . . . » « 5 » . وكانت الحجة الظاهرة لهذه الحماية ما قيل من أنّ نصرا كان يسبغها على الحلّاج لأنه « سنّي وإنما تريد قتله الرافضة ! » « 6 » ، وهي حجة واهية متهافتة أريد بها تسويغ هذه الحماية تسويغا طائفيا يغطي على براءة الحلّاج مما رمي به من تهم ظاهرها ديني وباطنها سياسي بحت .
وكان للحلّاج حام آخر في القصر هو أمّ المقتدر : شغب ، وكانت أم ولد من جواري المكتفي « 7 » ولقبت بالسيدة في أيام ولدها ، في ما يبدو ، لئلا تسمى باسمها « 8 » الصارخ الدلالة على ماضيها . وكانت « السيدة » ذات شخصية
..........................
وتمتلك الوقف . . . فقال لأم موسى القهرمانة [ لعلها ثمل الماضية ] : تقولين لأم المقتدر السيدة . اتقي اللّه ، هذا واللّه ما لا طريق إليه » . وقد ذكر ابن الجوزي أن المقتدر نفسه تدخل أيضا ليمنع ذلك ولم يرضه .
« 50 »
طاغيةقوية ، تتدخل في شؤون الدولة وتفرض رأيها فرضا ، وقد مرّ كيف أنها أسست مجلسا للمظالم . وواضح أن هذه السيدة التركية ، في ما يبدو ، كانت عامية العقلية تتأثر بمظاهر الصلاح كتأثّر العوامّ البسطاء وتأثّر الرجال في دار السلطان الذين « مالوا [ إلى الحلّاج ] وصاروا يتبركون به ويستدعون منه الدعاء » « 1 » .
ولهذا تحركت عاطفة الأمومة في « السيدة » لما « حمّ المقتدر وافتصد وبقي محموما ثلاثة عشرة يوما » « 2 » سنة 303 هـ / 916 م .
هنا رجا نصر القشوري الحلّاج أن يدخل على الخليفة « فرقّاه . . . . فاتّفق زواله عنه وكذلك وقع لوالدة المقتدر : السيدة ، فرقّاها فزالت عنها » « 3 » .
وقصة مثل هذه معقولة ومناسبة لمجرى الأحداث ؛ ويؤكدها أنّ نصرا والسيدة حاولا منع المقتدر من إعدام الحلّاج بعد صدور الحكم ، دون جدوى ، « فحمّ المقتدر يومه فازداد نصر والسيدة افتنانا وتشكك المقتدر فيه » « 4 » .
وهكذا عاش الحلّاج ناعم البال في قصر الخليفة - وإن كان يحسّ الأخطار تتهدده كل يوم من قبل حامد ورهطه . وجاءت النهاية في سنة 309 هـ / 922 م في ظروف عصيبة جابهتها الدولة من الشعب الثائر والجيش الشاغب والضمان الملغى لحامد الوزير بفعل ثورة الشعب والجيش .
وقد حاول حامد بن العباس أن يقمع الشعب ، وكان جلّه من الحنابلة الذين نما عددهم باضطراد من أيام انتصار أحمد بن حنبل على المعتزلة ونصرة المتوكل له قبل هذا التاريخ ، وفي سنة 232 هـ / 846 م بالتحديد .
وتحقيقا لهذا الغرض « أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري [ المؤرخ المشهور ، ت 310 هـ - 922 م ] إلى دار علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة ، فحضر ولم يحضروا فعاد إلى منزله . . . »
.............................
( 1 ) المنتظم 6 / 130 .
( 2 ) أيضا : 6 / 131 .
( 3 ) البداية والنهاية 11 / 140 ، وانظر المنحنى الشخصي للحلّاج من كتاب شخصيات قلقة في الإسلام ( ص 72 ) حيث أضاف ماسينيون إلى هذا إحياء الحلّاج لببغاء كان لولي العهد نقلا عن صلة عريب ( هـ . ص 92 ) ، وكأنه قصة حقيقية .
( 4 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .

« 51 »
والعشرين ، اتجه إلى قطاع آخر من العامة يدين بالولاء للحلّاج والصوفية على العموم من أصحاب القيم الروحية ، وكان كثير منهم يدين بمذهب ابن حنبل ، كصديق الحلّاج وتلميذه أحمد بن عطاء الأدمي « 4 » الذي ولم يغفر الحنابلة للطبري موافقته على مناظرتهم باعتبارها ضربا من المعارضة والتحالف مع الدولة على اضطهادهم
...........................
( 1 ) المنتظم 6 / 159 .
ومن هنا ، لما مات في سنة 310 هـ / 923 م « دفن ليلا . . . لأن العامة اجتمعوا ومنعوا من دفنه بالنهار وادّعوا عليه الرفض ثم ادعوا عليه الإلحاد ! » ( المنتظم 6 / 172 ) .
وقد شرح ابن الجوزي هذه التعقيدات بأن الطبري كان يرى جواز المسح على القدمين ولا يوجب غسلهما ( كالشيعة ) فلهذا نسب إلى الرفض ( أيضا ) .
( 2 ) المنتظم 6 / 159 .
( 3 ) أيضا : 6 / 159 .
( 4 ) انظر مثلا أخذه عن الفضل بن زياد صاحب أحمد بن حنبل في تاريخ بغداد 5 / 26 وراجع المنحنى الشخصي للحلّاج من كتاب « شخصيات قلقة في الإسلام » ص 76 .
منقطع عن الدنيا منذ ثماني سنوات يزوره الناس من الطبقات كافة ، ويتوسلون إليه في الدعاء لهم ، ويتزاحمون على رؤيته والسماع منه . وهكذا انضم حامد إلى موكب الحاسدين الحاقدين على الحلّاج وجعل يتحيّن الفرص للإيقاع به وعيّن له غلاما من غلمانه لمراقبته انتظارا للفرصة « 3 » .
وجاءت اللحظة التي طال انتظارها . فقصّ علينا ابن زنجي - نجل
.............................
( 1 ) ذكر ابن الجوزي أنه توفي في ذي القعدة في ( المنتظم 6 / 160 ) .
( 2 ) ذكر ابن أبي الحديد ( عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني ، ت 655 هـ / 1258 م ) في شرح نهج البلاغة ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، مصر 1959 - 1964 م ، 11 / 141 ) أنه « كان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر وعلي بن عيسى الجراح وزيره أيضا على الحلّاج أنهما وجدا في كتبه لفظ النور الشعشعاني وذلك لجهالتهم مراد القوم واصطلاحهم ومن جهل أمرا عاداه »( 3 ) تأتي الإشارة إلى المرجع في ما بعد .

« 53 »
الإداري الذي عيّن مساعدا لحامد - تفاصيلها بقوله : « كنت أنا وأبي يوما بين يدي حامد إذ نهض مسرعا من مجلسه .
وخرجنا إلى دار العامة وجلسنا في رواقها وحضر هارون بن عمران الجهبذ بين يدي أبي ، ولم يزل يحادثه .
فهو في ذلك إذ جاء غلام حامد ، الذي كان موكلا بالحلّاج ، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه ، فنهض مسرعا ونحن لا ندري ما السبب .
فغاب عنا قليلا ثم عاد وهو متغير اللون جدّا . فأنكر أبي ما رأى فسأله عن خبره فقال : دعاني الغلام الموكل بالحلّاج فخرجت إليه فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسمه أن يقدم إليه في كل يوم فوجده قد ملأ البيت بنفسه فهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه حتى ليس فيه موضع ! فهاله ما رأى ورمى بالطبق من يده وعدا مسرعا ، وأنّ الغلام ارتعد وانتفض وحمّ . فبينما نحن نتعجب من حديثه إذ خرج إلينا رسول حامد وأذن في الدخول إليه ، فدخلنا .
وجرى حديث الغلام ، فدعا به فإذا هو محموم . وقصّ عليه قصّته فكذّبه وشتمه وقال : فزعت من نيرنج الحلّاج [ ! ] وكلاما في هذا المعنى - لعنك اللّه أغرب عني . فانصرف الغلام وبقي على حالته من الحمى مدة طويلة » « 1 » .
وعدّ حامد بن العباس هذا العمل من الحلّاج ، عبثا به هو شخصيا ومحاولة للنفوذ إلى جماعة غلمانه لصرفهم عنه والتآمر عليه ؛ فكان ذلك في مثل هذه الظروف الحرجة تحدّيا سافرا من الحلّاج وفرصة ذهبية لحامد بن العباس يشفي بها صدره ويثأر لكرامته التي نالت منها العامة .
وحشد حامد طاقاته كلها يجمع خيوط الاتهام لينسج منها شبكة يوقع فيها
..................................
( 1 ) تجارب الأمم لمسكويه ص 79 - . 80 وقد وصف المناوي ( أبو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي الحدادي ، ت 1031 هـ / 1622 م ) ، هذه الظاهرة بالتطوّر وقال « وكان شأنه التطور فلما طلب للقتل تطور في البيت فملأه ، فأتاه الجنيد وقال : فتحت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك . . » ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ، الجزء الثاني ، مصر 1963 م ص 25 ) وظاهر أنه - وإن احتملنا تسمية هذه الظاهرة كذلك - إلا أن مجرى الحوادث لم يكن على الصورة التي رواها المناوي إذ معروف أن الجنيد سبق الحلّاج إلى الدار الأخرى بإحدى عشرة سنة .وإذا بنى بيتا وصام أياما ثم طاف حوله عريانا مرارا أغناه اللّه عن الحج . وإذا صار إلى قبور الشهداء بمقابر قريش في ( كاظمية الحالية شمال بغداد ) عشرة أيام يصلّي ويصوم ولا يفطر إلّا بشيء يسير من خبز الشعير والملح الجريش ، أغناه اللّه عن العبادة باقي عمره » « 4 » .
ولم يكتف حامد بذلك وإنما زيّن له ضميره أن يطعن الحلّاج في شرفه
.................
« كان من أهل بغداد ، وأنه كان شهما مثل الحلّاج وهو الذي أخرج كلامه للناس ضرب [ضربت] عنقه بباب الطاق بسبب ميله إلى الحلّاج ».
( 3 ) الكامل لابن الأثير 8 / 39 ، تاريخ بغداد 8 / 126 .
( 4 ) المنتظم 6 / 163 .

يـتــبـع


وذلك بزعمه أنه استدعى زوجة العباس نقل الحلّاج من حبسه إلى بيته هو مبالغة في الحرص وزيادة في الحيطة ، وكان يفتنّ في إهانته هناك . وذكر عريب القرطبي أن حامدا « كان يخرجه إلى من حضره ، فيصفع وتنتف لحيته » « 5 » ، وفي أثناء ذلك كان حامدا « يستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة » « 6 » .


.................................


259 - 339 هـ / 872 - 951 م ) ، محتسب بغداد السابق « 6 » ، الذي كان قادما من مقر عمله القضائي في الشام « 7 » ليخلف ابن البهلول في منصبه « 8 » في ما يبدو . وكانت هذه الهيئة الثلاثية « 9 » مالكية برئيسها « 10 » ، حنفية بعضويها « 11 » ، و « لم يحضر الجلسة أحد من الشافعية » « 12 » ولا الحنابلة ، بالضرورة لأنهم كانوا خصوم الدولة ومعارضين لهذه المحاكمة على إطلاقها بتأثير أحمد بن عطاء الذي كان ينتمي إليهم « 13 » . ومع أن أعضاء المحكمة كانوا من مشاهير


...........................


( 12 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : شخصيات قلقة في الإسلام ص 76 - 77 .


( 13 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : شخصيات قلقة في الإسلام ص 76 - 77 .


« 57 »


القضاة ، وخصوصا رئيسها أبا عمر الحمادي الذي كان مضرب المثل في العدل والحلم والنزاهة والعلم « 1 » - وكانوا يمثلون أعلى المستويات في القضاء - إلا أنه لا مفر من ملاحظة ما انطوى عليه هذا التشكيل من تحيّز وسوء نية من قبل حامد بن العباس تحقيقا لرغبته العارمة في الانتقام ، فمن المعروف أوّلا : أن المالكية لا يجوّزون توبة الزنديق أصلا بعكس غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى « 2 » ، وكان هذا هو موقف أبي عمر في أثناء المحاكمة « 3 » .
فكأنّ تعيين هذا القاضي ضمن هيئة المحكمة أريد به الحكم بالإعدام لا غيره . ومما يؤكد هذا أن الشافعيّة لم يمثّلوا في المحاكمة كما مرّ ، لسبب بسيط واضح هو قبولهم لتوبة الزنديق والحكم بإطلاق سراحه متى اعترف وتاب .
والشيء الآخر في هذه المحكمة أن اختيار أبي جعفر البهلول ربّما قصد به كبح جماح ( السيدة ) والدة الخليفة من التدخل في صالح الحلّاج باعتبار موقف القاضي السابق منها في القضية المذكورة آنفا .
من هنا يحتمل أن يكون اختيار أبي الحسين الأشناني - القاضي المفضّل عند السيدة نفسها - قد وقع تحت تأثيرها الشخصي ليقف في صف الحلّاج .
لكن هذا القاضي وقع فريسة سهلة ، لرهبة حامد بن العباس أو رغبته ، ومال مع رأي القاضي المالكي المذكور .
ويبدو أن الثمن كان قضاء الرصافة أو مدينة المنصور الذي عين فيه في ما بعد ولم يستمر فيه إلا ثلاثة أيام فقط ، وآخر ما يتصل بتحيّز هذه الهيئة أن حامدا حشد لها عددا وافرا من الشهود وكافأ رئيسهم بمنصب قضائي فخري في القاهرة « 4 » ليكون بمنجاة من انتقام أنصارالحلّاج .
..........................
( 1 ) تاريخ بغداد 3 / 401 ، وذكر البغدادي هنا « أن الإنسان كان إذا بالغ في وصف رجل قال : كأنه أبو عمر وإذا امتلأ الانسان غيظا قال : لو أني أبو عمر القاضي ما صبرت » ( الموضع نفسه ) . انظر أيضا : العبر للذهبي 2 / 183 ؛ شذرات الذهب 2 / 386 ؛ الديباج المذهب لابن فرحون ص 241 - 242 .
( 2 ) راجع نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار للشوكاني ( محمد بن علي بن عبد اللّه 1173 - 1250 هـ / 1760 - 1834 م ) ، الجزء السابع ، مصر 1380 ه / 1961 م ، ص 203 - 5 .
( 3 ) نشوار المحاضرة 1 / 83 .
( 4 ) المنحنى الشخصي للحلّاج : ( شخصيات قلقة في الإسلام ) ، ص 77 ) وبالنسبة للشهود وكذا الفقهاء ، انظر ابن الأثير 8 / 39 .
« 58 »
ومما يؤخذ على هذه المحاكمة في عمومها أنها أفرغت في قالب ديني وإن كانت في أساسها سياسية ؛ ومن هنا كان ينبغي أن تكون إسلامية دينية يومئذ . وبذلك يكون الحكم عادلا غير متحيز . أما أن يسلط على عنق المتهم حاكم ذو اتجاه معروف مقدّما فليس من العدل في شيء ولو من حيث المظهر فقط .
مهما يكن الأمر ، فقد جرت محاكمة الحلّاج على أساس من استجوابه في ما نسب إليه بمراجعة أدلّة الإتّهام وفحص مستنداته التي قدّمها جميعا خصمه حامد بن العباس اعتمادا على الشهود من ناحية وعبارات الحلّاج في كتبه المشعرة بالردّة والخلاف من ناحية أخرى . ومضت الأسئلة والأجوبة واستعراض المصنّفات في صالح الحلّاج إلى أن وصل الدور إلى فقرة الحجّ ، كما وردت في أدلّة الاتّهام ، وكما نصّ عليها كتابه « الصدق والإخلاص » - الآتي في مصنّفاته ، في رأينا . ولما توقّف أبو عمر القاضي مستفسرا عن مصادرها كان جواب الحلّاج أنّه وجد حكمها في كتاب « الإخلاص » للحسن البصري « 1 » الزاهد المشهور ( ت 110 ه : 758 م ) .
.......................
( 1 ) تجارب الأمم لمسكويه 5 / 160 ، الكامل لابن الأثير 8 / 39 ، تاريخ أبي الفداء ، طبع ليدن 2 / 342 تاريخ ابن الوردي ( عمر بن المظفر المصري ، 691 - 749 هـ / 1292 - 1349 م ) مصر 1285 هـ ، 1 / 256 الخ . . .
وبالنسبة لكتاب الإخلاص المذكور ، عده الحاج خليفة ( مصطفى بن عبد اللّه الشهير بكاتب جلبي ، ت 1067 ه / 1658 م ) مصنفا تاريخيا استنادا إلى خبر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد نقلا عن النكت الوفية الذي لا يرد عنه شيء في كشف الظنون . وخلص الحاج خليفة في النهاية إلى أنه « فهذا إقرار من أبي عمرو ( كذا ) أن كتاب الإخلاص للحسن ، فهو أول مصنف مطلقا » ( كشف الظنون إسطنبول ، 1366 هـ ، 2 / 259 ) . والحق أن هذا تشكيك في الكتاب كما يأتي . ولقد ذكر الصولي ( محمد بن يحيى ، ت 335 هـ / 947 م ) بنقل ابن الجوزي ، أن هذا الكتاب « هو كتاب السنن » للحسن البصري لا « الإخلاص » ( المنتظم 6 / 163 ) وذكر ابن تيمية أنه كتاب « الصلاة » في « جامع الرسائل » له ( ص 189 ) . وفي ما يتصل بمعنى الإخلاص ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار ( 2 / 283 ) عن ابن عباس أنه « هكذا ، وبسط يده اليمنى وأشار بإصبعه من يده اليسرى » . وأضاف ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد ( تحقيق أحمد أمين وزميليه ، 3 / 221 ) أن ابن العباس « بسط يده اليسرى وأشار بإصبعه من يده اليمنى » . وزاد النويري في نهاية -
« 59 »
ومع أن الحسن البصري لم يكن ثقة في الحديث بل وصفه ابن سعد ( محمد الزهري ت 230 هـ : 844 م ) بكونه ( ليس بحجة ) « 1 » ، ووصفه الذهبي ( شمس الدين
........................
داره فيعمل به محرابا ويغتسل ويحرم ويقول كذا ويفعل كذا ويصلي كذا ويطوف بهذا البيت كذا ويسبّح كذا : أشياء قد رتبها وذكرها من نفسه . قال : فإذا فرغ من ذلك فقد سقط عنه الحج إلى بيت اللّه الحرام . وهذا شيء معروف عند الحلّاجية ؛ وقد اعترف ( به ) لي رجل منهم - يقال :
إنه عالم لهم -ولكن ذكر أن هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت - صلوات اللّه عليهم - وقال : ليس عندنا أنه يستغنى به عن الحج ، ولكن يقوم مقامه لمن لا يقدر على الخروج بإضافة أو منع أو علة ، فأعطى المعنى وخالف في العبارة .
( و ) قال لي أبو الحسن : « فسئل الحلّاج عن هذا - وكان عنده أنه لا يستوجب عليه شيئا - فأقرّ به وقال : هذا شيء رويته كما سمعته ، فتعلق بذلك عليه » ( نشوار المحاضرة 1 / 82 ) ، وإن كان لهذه العبارة أصل فلعله إسماعيلي وأمارة ذلك عبارة « صلوات اللّه عليهم » التي تساق إلى الأئمة عندهم ( انظر الملحق 3 و 11 من كتاب المعز لدين اللّه للدكتور حسن إبراهيم حسن مصر 1948 م ، ص 307 - 342 ) .وقد ورد هذا الضرب من الحج عند أصحاب وحدة الوجود ؛ فقال لسان الدين بن الخطيب ناقلا كلام ابن العربي الحاتمي الطائيالحاتمي الطائي منهم : « الحج حج ثان لا يثني نفس المريد عنه ثان .
طريقه التجريد وزاده الذكر وطوافه المعرفة وإفاضته الفناء .فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.
الغرام صعب المرام والدخول فيه حرام ما لم يكن فيه شروط كرام . من عرف ما أخذ هان عليه ترك » ( روضة التعريف بالحب الشريف ، ص 373 ، وانظر « رسالة الإسراء إلى مقام الأسرى » لابن العربي الحاتمي الطائي في رسائله ، حيدر آباد 1942 م - 48 ) .( 1 ) الطبقات الكبرى ، ليدن 1917 - 28 م ، 7 : 1 / 114 .
« 60 »
محمد بن أحمد التركماني ) ، ( ت 748 هـ / ت 1347 م ) بعدئذ بقوله : « مدلّس فلا يحتج بقوله عمّن لم يدركه ، وقد يدلّس عمن لقيه من بينه وبينه ، واللّه أعلم » « 1 » ، أصرّ أبو عمر القاضي على أنه رأى الكتاب المذكور في مكة ولم يكن هذا النصّ فيه « 2 » .
في هذه اللحظة غضب القاضي الحليم الهادئ وأفلتت منه عبارة « يا حلّال الدم » « 3 » .
فتعلق بها حامد تعلق الغريق بطوق النجاة ، ولم يفد القاضي تشاغله ولا محاولته التملّص أو الاعتذار ، وكان للوزير ما أراد .
ولم يكن الحلّاج يتوقع أن يكون تسليمه بهذا النقل مدعاة للحكم عليه بالإعدام ، ومن هنا احتج بشدة وجعل يصرخ في المجلس « ظهري حمى وجسمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه ( الدين ) . اعتقادي الإسلام ومذهبي السنّة ولي كتب في الورّاقين موجودة في السوق . فاللّه اللّه في دمي » « 4 » .وكان الحلّاج يقول هذا « والقوم يكتبون خطوطهم ، حتى كمل الكتاب بخطوط من حضر وأنفذه حامد إلى المقتدر » « 5 » .
ولم يسلّم الحلّاج بهذه النتيجة وإنما تحدّى قضاته إلى المباهلة أي الملاعنة وتحكيم اللّه في المخطئ المذنب من أحد الطرفين المتنازعين « 6 » . لكن الأمر كان قد بلغ غايته ، وكان حامد بن العباس يستعجل تصديق الخليفة على الحكم وتحديد طريقة الإعدام . ولما بلغ نصرا القشوري الخبر فوجئ به ولجأ إلى السيدة والدة الخليفة محاولة منه لإلغاءالحكم أو أستصدار عفو عن الحلّاج أو تأجيل التنفيذ فيه .
..............................
محيي الدين عبد الحميد ، مصر 1948 ، 1 / 406 ) .
( 4 ) المرجع السابق ، المواضع نفسها .
( 5 ) المرجع السابق ، المواضع نفسها .
( 6 ) الفهرست ص 271 ، رسالة ابن القارح ( في مقدمة رسالة الغفران ط 4 ، ص 38 ) ، وانظر المباهلة في سيرة ابن هشام ، مصر 1936 م ، 2 / 222 - 33 ؛ وآية المباهلة في سورة آل عمران ( 3 : 61 ) .
« 61 »
وبدأ نصر هذه المحاولة بتخويف السيدة من مغبة قتل الحلّاج وقال لها : « لا آمن من أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح .
فمنعت المقتدر من قتله فلم يقبل وأمر حامدا فأمر بقتله . فحمّ المقتدر يومه ذلك ، فازداد نصر والسيدة افتتانا .
وتشكك المقتدر فيه ؛ فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله . فتأخر [ فأخّر ] ذلك أيّاما إلى أن زال عن المقتدر ما كان يحذر من العلة .
فاستأذنه حامد في قتله فضعّف الكلام ، فقال حامد : يا أمير المؤمنين ، إن بقي قلب الشريعة وارتدّ الخلق على يده وأدّى ذلك إلى زوال السلطان ، فدعني أقتله وإن أصابك شيء فاقتلني .
فأذن في قتله ، فعاد فقتله من يومه لئلّا يتلوّن المقتدر » « 1 » ، وكان تصديق المقتدر على الحكم مقترنا بصورة تنفيذه على شكل فظيع لم تجر العادة به في مثل حالة الحلّاج ، وقداستعمل فيه السوط الذي يكون في « الحدود كلّها وفي التعزير » « 2 » ،والسيف « الذي لا يقع إلّا بين كتفي زنديق » « 3 » والصلب الذي يكون في العادة لقطّاع الطرق والمحاربين


تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇 
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٤…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


 شرح ديوان الحسين ابن المنصور الحلاج د. كامل مصطفى الشيبي
وأخذ الحلّاج إلى علي بن عيسى الجراح الوزير ( ت 334 هـ / 946 م ) الذي استوزر في أول سنة 301 هـ / 913 م ، ليستجوبه ؛ فلم يظفر منه بطائل .
ويبدو أنّ صوفيّنا تظاهر بالبلاهة والسذاجة والجهل ؛ فاكتفى الوزير - وكان حكيما عاقلا محبا للصوفية وصديقا للشبلي « 1 » - بالعبث والتشهير به ، فأمر به
...............................
- سنة 312 هـ / 924 م ، وهي السنة التي أوقع فيها القرامطة بالحجّاج العراقيين وقتلوهم وسبوا نساءهم فووجه بقول نصر القشوري : « من الذي أسلم رجال السلطان وأصحابه إلى القرمطي سواك ! ؟ » مما حمل العامة على الوثوب على الوزير ورجم داره وصياحهم به : « يا ابن الفرات ، القرمطي الكبير ؟ ! » وقولهم عند القبض عليه : « قد قبض على القرمطي الكبير ! » ( المنتظم 6 / 188 - 189 ) . 
وكان ذلك من نصر القشوري ردا على ابن الفرات وانتقاما منه لا تهامه له بإخفاء رجل قبض عليه في بيت المقتدر تمهيدا لقتله ( الكامل لابن الأثير ، حوادث سنة 312 ، 8 / 47 ) فكأنه كان يتهمه بالتواطؤ مع القرامطة أيضا . وذكر ابن الجوزي ، في حوادث سنة 313 هـ و 315 هـ أخبار القبض على جماعة بتهمة القرمطة وقتلهم ( المنتظم 6 / 195 ، 209 ) ومن أكثر الأخبار إثارة في هذا المجال ما جاء في « استتار الإمام » في ما يتصل بظروف التمرد المذكورة على الفاطميين ، أن بني أبي محمد المذكور كانوا عازمين على التوجه إلى سلمية لإبادة العلويين فيها . 
وساق النيسابوري الخبر فقال : « فاتصل ذلك بدعاة بغداد ، وهم حامد بن العباس وابن عبد ربه وجماعته من الشيعة ، فكتبوا إلى المهدي ( عليه السلام ) أن بني أبي محمد قد عزموا على قتلك وقتل أهلك ؛ فإن كنت قاعدا فقم فإنهم قد زحفوا إليك وهم عازمون على قتلك . فإن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا وشوا بك إلى أحمد بن طولون وهم يقولون : إنك مخالف للمذهب ويشهرون أمرك . . . » ( ص 96 ) ولولا بقية من تؤدة لاستعجلنا الزعم بأن المقصود بحامد بن العباس هنا خصم الحلّاج وعامل الدولة على واسط وليس ذلك كثيرا عليه ، وإن كان الأمر في حاجة إلى حجة أقوى .
وفوق هذا بقيت تهمة القرمطة مستمرة مع قوة الفاطميين وشدة خطرهم على الدولة العباسية ولم تنته حتى أواخر القرن الخامس الهجري . ومن هنا ذكر أن الكيا الهراس ( علي بن محمد بن علي الطبري ، 450 - 505 هـ / 1058 - 1111 م ، تلميذ أبي المعالي الجويني : عبد الملك بن عبد اللّه ، ت 478 هـ / 1085 م ) الذي درس بالنظامية ووعظ وذكر مذهب الأشعري » كاد له خصومه عند العامة « فرجم وثارت الفتن واتهم بمذهب الباطنية . فأراد السلطان قتله ، فمنعه المستظهر وشهد له » ( مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي : أبي المظفر يوسف بن قرأوغلي بن عبد اللّه البغدادي ، ت 654 هـ / 1256 م ، حيدر آباد ، 1951 م ، 8 : 1 / 37
( 1 ) ديوان أبي بكر الشبلي ، جمع وتحقيق وتقديم ، كاتب هذه السطور ، بغداد 1967 م ، ص 58 .
« 40 »
« فصلب في الجانب الشرقي في مجلس الشرطة ثم في الجانب الغربي حتى رآه الناس « 1 » » . وذكر البغدادي أنّ هذا التشهير ، بالصلب - وهو حي معلّق بحبل تحت إبطيه كالجرّة المعلقة على خشبة - « 2 » ، استغرق أياما متوالية في رحبة الجسر كل يوم غدوة ( صباحا ) وينادى عليه بما ذكر ثم ينزل به ويحبس » « 3 » . 
والظاهر أن حبس الحلّاج دون قتله - في حال اتهامه بالقرمطة - قد قصد به إلى ضرب مثل في التسامح مع هذه الطائفة ، التي عاثت في العراق قتلا ونهبا ، في محاولة لتأليف قلوبهم وتجنّب شرورهم وضمان ولائهم محافظة على الدولة العباسية من السقوط . ولعل الدليل على هذا ما ذكره ابن الجوزي ، في حوادث سنة 301 ه المذكورة - من أن هذا الوزير « شاور المقتدر في أمر القرامطة فأشار بمكاتبة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي المتغلب على هجر ؛ فتقدم إليه بمكاتبته . 
فكتب كتابا طويلا يتضمن الحثّ على طاعة الخلفاء ويعاتبه على ترك الطاعة ويوبّخه على ما يحكى عن أصحابه من إعلان الكفر . . . فوصل الكتاب وقدقتل أبو سعيد :
وثب عليه خادم له صقلابي فقتله » « 4 » . 
ولكن علي بن عيسى لم ييأس ، وإنما أمر رسله « بإيصال الكتاب إلى أولاده ومن قام مقامه » « 5 » ؛ فكان ردّهم كونهم متهمين في غير تهمة وقتالهم للدولة في حال من الدفاع عن النفس « 6 » . فلما وصل كتابهم « كتب الوزير إليهم كتابا جميلا يعدهم فيه بالخير » « 7 » . وهكذا ............................................
( 1 ) الفهرست لابن النديم ، ص 283 ، المنتظم 6 / 123 .
( 2 ) انظر في ذلك قول ابن المعتز في وصف صلب حمدان قرمط ، قبل قتله :
حتى أقيم في جحيم الهاجره‏ . .. و رأسه كمثل قدر فائره‏
و جعلوا في يده حبالا . . . من قنب يقطع الأوصالا
و علقوه في عرى الجدار . . . كأنه برادة في الدار
و صفقوا قفاه صفق الطبل‏ . . . نصبا بعين شامت و خل‏ 
( الديوان ، تحقيق الشيخ محيي الدين الخياط ، دمشق 1371 هـ / 1951 م ، ص 164 ) .
( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 4 ) أيضا : 6 / 121 .
( 5 ) أيضا : 6 / 121 .
( 6 ) أيضا : 8 / 127 .
( 7 ) أيضا : 8 / 127 .
« 41 »
 919 م « دخلت القرامطة البصرة » « 6 » . وفي سنة 308 هـ / 920 م « ملك العبيديون جيزة الفسطاط ففزعت الخلق وشرعت في الهرب » « 7 » . وفي سنة 309 هـ / 921 م، سنة قتل الحلّاج، اندفع الفاطميون مرة أخرى إلى مصر العليا «8».......................
( 1 ) أيضا : 8 / 127 .
( 2 ) انظر المنحنى الشخصي لحياة الحلّاج ، لماسينيون في كتاب شخصيات قلقة في الإسلام ، ص 72 .
( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 127 .
( 5 ) تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 202 .
( 6 ) المنتظم لابن الجوزي 6 / 153 .
( 7 ) شذرات الذهب لابن العماد 2 / 252 .
( 8 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ص 202 وقد ذكر عريب القرطبي ، في صلته لتاريخ الطبري ( ط . ليدن 1897 م ) ، في حوادث هذه السنة أن فيها « زحف ثمل الفتى إلى الإسكندرية -
« 42 »
وفوق هذا كان المقتدر : جعفر بن المعتضد ، خليفة ضعيفا متقلبا استخلف بمساعدة حامد بن العباس سنة 295 هـ / 908 م ، وله من العمر ثلاث عشرة سنة ، وقتل دفاعا عن ملكه ضد المتآمرين عليه من قواده سنة 320 هـ / 932 م شابا في الثامنة والثلاثين من عمره « 1 » . وخلال حكمه ، الذي استغرق نحو ربع قرن ، غيّر وزراءه خمس عشرة مرة « 2 » . ولم يسلم المقتدر نفسه من عواصف السياسة بل عزل مرتين واستخلف ثلاث مرات « 3 » .وإذا تعمقّنا الأسباب وتقصّينا الحقائق وجدنا المجتمع العراقي العباسي ، في مطلع القرن الرابع الهجري ، مضطربا إلى أبعد حدود الاضطراب ، يتحكم فيه رجال أعمتهم الأنانية وتطلبوا النفع الشخصي وحده ، واستغلوا الناس أشنع استغلال في ظروف عصيبة صعبة مهّدت لسقوط الدولة العباسية سقوطا جزئيا بدخول البويهيين العراق في سنة 334 هـ / 947 م ، ولولا لعبة الحظ وعمى السياسة لتغيّر مجرى التاريخ الإسلامي كلّه « 4 » .
والمهم في الأمر هنا أنّ رجال الدولة لم يكونوا يعملون لها بقدر ما كانوا يعملون لأنفسهم مستغلين مناصبهم والفوضى التي ضربت أطنابها في طول البلاد وعرضها . ومن هنا وجدنا عجبا من العجب ؛ فرجل مثل علي بن أحمد الراسبي ، الذي كان يتقلد الأعمال التي ذكرناها في ما مرّ ، لم يكن يدفع للدولة من الأموال التي يجبيها إلا مليونا وأربعمائة ألف دينار ، وهو
..................................
فأخرج عنها قائد الشيعة ورجال كتامة . . . وأطلق كل من كان في سجنهم ، ثم أقبل ممدّا لمؤنس واجتمعا بفسطاط مصر وزحفا إلى الفيوم لملاقاة أبي القاسم الشيعي ومناجزته ومعهما جني الصفواني وغيرهم » ( ص 85 ) .
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي ، مصر 1283 هـ ، 2 / 290 .
( 2 ) أيضا : 2 / 396 - 7 ، وبالنسبة لخلع المقتدر انظر المنتظم أيضا ( 6 / 96 ) . وقد استخلف المقتدر سنة 295 هـ / 908 م ، وخلع بعد أربعة أشهر وسبعة أيام ؛ وذلك لما وقع الانقلاب الفاشل الذي جاء بعبد اللّه بن المعتز إلى الخلافة ، التي لم تدم غير يوم واحد ، وأعيد الأمر بعده إلى المقتدر . وخلع المقتدر ثانية سنة 307 هـ / 929 م لصالح محمد بن المعتضد الذي لقب بالقاهرة ، وعاد الأمر إلى صاحبه بعد يومين فقط .
( 3 ) أيضا : 2 / 396 - 7 ، وبالنسبة لخلع المقتدر انظر المنتظم أيضا ( 6 / 96 ) . وقد استخلف المقتدر سنة 295 هـ / 908 م ، وخلع بعد أربعة أشهر وسبعة أيام ؛ وذلك لما وقع الانقلاب الفاشل الذي جاء بعبد اللّه بن المعتز إلى الخلافة ، التي لم تدم غير يوم واحد، وأعيد الأمر بعده إلى المقتدر . وخلع المقتدر ثانية سنة 307 هـ / 929 م لصالح محمد بن المعتضد الذي لقب بالقاهرة ، وعاد الأمر إلى صاحبه بعد يومين فقط .
( 4 ) في الحق أن المعتضد تنبأ بزوال الملك على يدي المقتدر ، وقد كان تعليق ابن الجوزي على هذه النبوءة قوله : « فكان كما تنبأ » ( المنتظم 6 / 69 ) .
« 43 »
مبلغ زهيد جدا إذا قيس بما يتوقع من إيرادات هذه الرقعة الواسعة ذات الزراعات والصناعات الكثيرة . ومن هنا لم يكن غريبا أن يخلّف الراسبي « من العين ألف ألف دينار وآنية ذهب وفضة بقيمة مائة ألف دينار ، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس ومن الخزّ ألف ثوب . وقيل : إنه كان له ثمانون طرازا [ - آلة ] ينسج فيها الثياب » « 1 » . 
وقد ذكر المؤرخون في علي بن محمد بن الفرات ، الوزير المشهور ، الذي استوزر للمقتدر ثلاث مرات « 2 » ابتداء من سنة 299 ه ، سنة طلب الحلّاج « 3 » ، أنه - مع كرمه وحبه للمساعدة وحكمته في تسيير شؤون الدولة - « ملك أموالا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار وبلغت غلته ألف ألف دينار » 
« 4 » .وأشار المؤرخون أيضا إلى أن تصرّف الوزراء وكبار الموظفين في أموال الدولة كان لا بد أن يرتبط بإضعاف القضاء لئلا يقع المسؤولون تحت طائلة العقاب . ومن هنا ذكر ابن عيّاش أنه « كان أول ما انحلّ من نظام سياسة الملك ، فيما شاهدناه ، القضاء » « 5 » . 
وأضاف إلى هذا أن ابن الفرات وضع منه وأدخل فيه أقواما لا علم ( لهم إليه ) « 6 » ، وكان السبب واضحا . لكن أول هذا الأمر كان لما « قلّد ابن الفرات أبا أمية الأحوص البصري ؛ فإنه كان بزازا ، فاستتر ابن الفرات عنده وخرج من داره إلى الوزارة فولاه القضاء » « 7 » . وإذ بلغ الأمر هذا المدى.
........................................
( 1 ) المنتظم 6 / 125 ، وانظر أيضا صلة عريب ص 44 ، دول الإسلام للذهبي 1 / 144 النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 3 / 183 .
( 2 ) مروج الذهب 2 / 396 .
( 3 ) مروج الذهب 2 / 396 .
( 4 ) المنتظم 6 / 191 .
( 5 ) المنتظم 6 / 191 .
( 6 ) أيضا : 6 / 190 .
( 7 ) أيضا : 6 / 190 وقد ذكر ابن الجوزي أن أبا أمية « كان قليل العلم إلا أن عفته وتصوّنه غطى ( الصحيح : غطيا ) على نقصه ؛ فلم يزل بالبصرة حتى قبض عليه ابن كنداج ، أمير البصرة ، في بعض نكبات المقتدر لابن الفرات . . . ولا نعلم أن قاضيا مات في السجن سواه » ( المنتظم 6 / 190 ) . 
ويذكر أن أبا أمية هذا كان قاضي البصرة وواسط والأهواز . وكان من فتوّة أبي أمية أن ابن الفرات كان « قد صودر على ألف دينار وستمائة ألف دينار فأدى جميعها في مدة ستة عشر يوما من وقت أن قبض عليه » ( أيضا ) .
« 44 »
لم يكن عجيبا أن نقرأ أنه في سنة 307 هـ / 919 - 20 م « أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس . . للمظالم وتنظر في رقاع الناس في كل جمعة ؛ فجلست وأحضرت القاضي أبا الحسين الأشناني وخرجت التوقيعات على السداد » « 1 » . ! وغدا من الطبيعي أنه « ما مضت إلا سنوات حتى ابتدأت الوزارة تتّضح ويتقلدها من ليس بأهل [ لها ] » « 2 » . وغدت أشبه شيء بولايات العثمانيين على العراق حين كانت الولاية تباع لمن يزيد في الضمان ! وكان حامد بن العباس من هؤلاء الوزراء الذين نعنيهم هنا ؛ فمع أنه كان رجلا إداريا يلي واسطا منذ سنة 287 هـ / 900 م « 3 » إلا أن براعته كانت منصبّة على الضمان وتحصيل الأموال دون السياسة وتصريف شؤون الدولة . 
والحق أن السبب الذي جاء بحامد إلى هذا المنصب السامي لم يكن ليتعدى عجز الدولة عن الإنفاق على حربها لابن أبي الساج الذي كان يهددها بالزوال « 4 » . 
ذلك أن ابن الفرات لما رأى الأمور تسوء ، بفعل خروج الريّ عن ملك العباسيين « 5 » وتأخير رواتب الضباط والجنود الذين يحاربون في الجبهة « 6 » ، طلب إلى الخليفة أن يقدّم مائتي ألف دينار لتلافي الكارثة « 7 » . فأنكر عليه الخليفة ذلك « لأنه كان ضمن القيام بأرزاق الجنود والأحشاد وجميع النفقات المترتبة » ..............................................
( 1 ) أيضا 6 / 148 ، و « السيدة » هي أم ولد يقال لها شغب أدركت خلافته وسميت السيدة وكانت لأم القاسم بنت محمد بن عبد اللّه بن طاهر فاشتراها منها المعتضد » ( المنتظم 6 / 67 ) . ( 2 ) أيضا : 6 / 191 . ( 3 ) أيضا : 6 / 24 .
 ( 4 ) انظر تاريخ ابن خلدون 3 / 370 .
( 5 ) انظر تاريخ ابن خلدون 3 / 370 .
( 6 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 ، وانظر المنتظم لابن الجوزي 6 / 147 . وبالنسبة لثروة حامد بن العباس وجاهه ، ذكر ابن الجوزي أنه كان له « أربعمائة مملوك يحملون السلاح لكل واحد منهم مماليك ، وكان يحجبه ألف وسبعمائة حاجب ! » ( المنتظم 6 / 180 ) . وذكر ابن الجوزي أيضا أنه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها ( سنة 311 هـ / 924 م ) في بئر المستراح [ بالوعة المرحاض ] أربعمائة ألف دينار عينا ، دل عليها لما اشتدت به المطالبة . . . وباع حامد داره التي كانت له على الصراة ( أحد أنهار بغداد العباسية ) من نازوك بإثني عشر ألف دينار ، وباع خادما له عليه بثلاثة آلاف دينار ، وأقر حامد بألف ومائتي ألف دينار » ( المنتظم 6 / 180 - 183 ) .
( 7 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 ، وانظر المنتظم لابن الجوزي 6 / 147 . وبالنسبة لثروة حامد بن العباس وجاهه ، ذكر ابن الجوزي أنه كان له « أربعمائة مملوك يحملون السلاح لكل واحد منهم مماليك ، وكان يحجبه ألف وسبعمائة حاجب ! » ( المنتظم 6 / 180 ) . وذكر ابن الجوزي أيضا أنه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها ( سنة 311 هـ / 924 م ) في بئر المستراح [ بالوعة المرحاض ] أربعمائة ألف دينار عينا ، دل عليها لما اشتدت به المطالبة . . . وباع حامد داره التي كانت له على الصراة ( أحد أنهار بغداد العباسية ) من نازوك بإثني عشر ألف دينار ، وباع خادما له عليه بثلاثة آلاف دينار ، وأقر حامد بألف ومائتي ألف دينار » ( المنتظم 6 / 180 - 183 ) .
« 45 »
وحاول ابن الفرات معالجة الأمر بمطالبة حامد بن العباس « بأكثر من ألف ألف دينار من فضل ضمانه » ، لكن هذا لم يترك الفرصة تفلت « فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والدة المقتدر [ وكانت متنفذة ] بسعة نفسه وكثرة أتباعه » واستعداده لتقديم كل ما يطلب منه من مال بشرط إيكال الأمور إليه . 
وهكذا صار محصّل الضرائب وزيرا . وظهر منذ اللحظة الأولى أن حامدا ليس مستوفيا لشروط الوزارة ، ومن هنا استعين بوزيرين سابقين لمساعدته على تسيير الأمور هما : علي بن عيسى وأبو علي بن مقلة وضم إليهما رجل كفء هو أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل المعروف بزنجي « 1 » .
وتبين في النهاية « أنه لا فائدة في الاعتماد عليه في شيء من الأمور ، فتفرّد أبو الحسن علي بن عيسى بتدبير جميع أمور المملكة وصار حامد لا يأمر في شيء البتة » « 2 » . وإذ ساءت الأمور إلى هذا الحدّ ، كان من طبيعة الأشياء أن يجوع الناس ويتوتر الجو ويشغب الجند ويفلت زمام الأمور . 
وهكذا « شغب أهل السجن الجديد وصعدوا على السور فركب نزار بن محمد صاحب الشرطة وحاربهم وقتل منهم واحدا ورمى برأسه إليهم فسكنوا » « 3 » . 
وأعقب ذلك أن « كسرت العامة الحبوس بمدينة المنصور فأفلت من كان فيها ، وكانت أبواب المدينة الحديد باقية فغلّقت وتتبع أصحاب الشرطة من أفلت فلم يفتهم منهم أحد » « 4 » . ووثب بنو هاشم على علي بن عيسى لتأخر أرزاقهم فمدّوا أيديهم إليه ، فأمر المقتدر بالقبض عليهم وتأديبهم ونفاهم إلى البصرة وأسقط أرزاقهم » « 5 » . 
ومع أن حامدا عزل عن الوزارة سنة 307 هـ / 919 م إلا أن الظروف كانت من السوء بحيث اضطر السلطان إلى تكليفه بها بعد سنة من الزمان مما حمله على المبالغة في الشره ، فترك علي بن عيسى يصرّف الأمور وانصرف هو إلى ضمان « أعمال الخراج والضياع الخاصّة المستحدثة والقرارية بسواد بغداد والكوفة وواسط والأهواز
..................................
( 1 ) المنتظم 6 / 147 - 8 .
( 2 ) المنتظم 6 / 147 - 8 .
( 3 ) أيضا : 6 / 147 .
( 4 ) أيضا : 6 / 153 .
( 5 ) أيضا : 6 / 147 .
« 46 »
وأصبهان » « 1 » . وكان أن ترك بغداد تغلي وخرج هو إلى واسط ، مركزه الحصين ، « للنظر في الأعمال التي ضمنها » « 2 » . واتضح في ما بعد أن حامدا كان كغيره من الوزراء والقواد ممن اعتادوا أن يستغلّوا الظروف أشنع استغلال دون وازع من ضمير أو إنسانية فكانوا « يخزّنون الغلال » « 3 » ليرفعوا الأسعار ويزيدوا إيراداتهم ويكنزوا المال في غير وجهه ، وكان من تحصيل الحاصل أن ترتفع الأسعار ؛ لكن قلة ما بأيدي الناس من مال وانهيار الاقتصاد كليا حمل الناس حملا على التظاهر وإعلان السخط « فاضطربت العامة لذلك وقصدوا باب حامد فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم فقتل من العامة جماعة ومنعوا يوم الجمعة من الصلاة وهدموا المنازل وأخربوا مجالس الشرطة وأحرقوا الجسور » «4» ، وذلك في سنة 308 هـ / 920 م .
وكان الأمر واضحا وعلاجه بسيطا ، وهكذا اضطر الخليفة إلى أن يأمر « بفتح المخازن التي للحنطة وبيعها ، فرخص السعر وسكن إلى منع الناس من بيع الغلال في البيادر وخزنها » «5». 
ولما كان حامد هو أساس البلاء ، انتهى الأمر بأن « رفع الضمان عن حامد وصرف عماله عن السواد » « 6 » « وبيع الكرّ بنقصان خمسة دنانير » « 7 » ، فأدّى الأمر إلى سكون مؤقت . ولم تنته المشاكل
..................................
( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 371 .
( 2 ) المنتظم 6 / 156 . وفي هذا المجال ذكر ابن الأثير أن حامدا « قد ضجر من المقام ببغداد وليس إليه من الأمر شيء . . . وكان إذا اشتكى إليه [ إلى علي بن عيسى ] بعض نواب حامد يكتب على القصة [ - الشكوى ] إنما عقد الضمان على النائب الوزيري عن الحقوق الواجبة السلطانية فليقدم إلى عماله بكف الظلم عن الرعية » ، الكامل ( مصر 1303 ه ) ، 8 / 43 .
( 3 ) ابن خلدون 3 / 371 .
( 4 ) المنتظم 6 / 156 ، وانظر شذرات الذهب لابن العماد ( 2 / 252 ) حيث ذكر أن سنة 308 ه « فيها ظهر اختلال الدولة العباسية وجيشت الغوغاء بغداد . فركب الجند ، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس ، فقصدت العامة داره فحاربهم غلمانه - وكان له مماليك كثيرة - فدام القتال أياما وقتل عدد كثير . ثم استفحل البلاء ووقع النهب في بغداد »

تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام
 👇👇👇👇 
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11 
 https://t.me/Tagleiatsofia

٣…شرح ديوان الحلاج (الحسين ابن المنصور الحلاج ) د. كامل مصطفى الشيبي


قال إخوان الصفا : « واعلم ، أيها الأخ ، أن القربان كما ذكرنا قربانان : شرعي وفلسفي لا ثالث لهما . 
فأما القربان الشرعي فهو المأمور به في الحج من ذبح الحيوانات . . . وأما الفلسفي فهو مثل ذلك إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى اللّه سبحانه وتعالى بتسليمها إلى الموت وترك الخوف كما فعل سقراط لمّا شرب السم » « 3 » .
ومن المفيد أيضا أن نشير إلى ظاهرة أخرى تجمع الحلّاج وإخوان
..........................................................................................
( 1 ) الفهرست ، ص 270 - 284 .
( 2 ) نشوار المحاضرة ص 86 .
( 3 ) رسائل إخوان الصفا 4 / 208 .

« 35 »
الصفا في صعيد واحد . ذلك أن إخوان الصفا أشاروا ، في رسائلهم ، إلى أن لهم أعوانا ودعاة من طبقات الناس كلها من أولاء الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتّاب وأولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتنّاء ( المرابطين ) وأولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين وأولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس « 1 » . 
وذكروا أنهم يستطيعون معاونة أنصارهم بكل وسيلة عن طريق هؤلاء . 
« . . . وإذا عرفت منهم أحدا وأنست منهم رشدا فعرّفنا حاله وما هو بسبيله من أمور دنياه وطلب معاشه وتصرفه في حالاته لكي نعرف ذلك ونعاونه على ما يليق به من المعاونة . . . وإن كان ممن يرغب في العلم والحكمة والأدب وأمر الدين وطلب الآخرة علّمناه مما علّمناه اللّه عزّ وجلّ ، وألقينا إليه من
..........................................................( 1 ) أيضا 4 / 214 - 15 .
( 2 ) هامش تجارب الأمم 1 / 86 .
( 3 ) انظر كتابنا : الصلة بين التصوف والتشيع ص 370 .

« 36 »
حكمتنا وأطلعناه على أسرارنا بحسب ما يحتمل عقله وتتسع له نفسه وتتوق همّته - إن شاء اللّه عزّ وجلّ » « 1 » . يضاف إلى هذا أن الإسماعيلية بشّروا بمذهب جامع لا يضادّ عقيدة وإنّما يقبل كل شيء ثم يؤّوّله تأويلا يضعه ضمن عقيدته ، وهو ما فعله الحلّاج من إفادته من آراء الهنود والفرس ومذاهب المتكلمين والفلاسفة وأصحاب الكيمياء والطب والسحر « 2 » . ، واستغلها كلها في نشر عقيدته وكسب الناس إلى صفه . 
وهذا - في رأينا - هو تفسير ما نسب إليه من مخاريق لا بد أنه تعلّمها في الهند بلد السحر والمخرقة إلى يومنا هذا .
مهما يكن الأمر فقد كانت الأحوال السياسية غير مستقرة في بغداد وكان المجتمع العراقي يغلي بعد الانقلاب الفاشل الذي راح ضحيته ابن المعتز ورجال الدولة الممتازون سنة 296 هـ / 908 - 9 م ، هذا إلى قيام دولة زيدية في طبرستان ودولة فاطمية في تونس ، وتهديد القرامطة المستمر للعراق نفسه . وفوق هذا كانت الأحوال الاقتصادية سيئة والأرزاق محبوسة عن الجند والأسعار عالية « 3 » ، وكل ما في الدولة يدل على السقوط والانهيار .
..........................................................................................
( 1 ) رسائل إخوان الصفا 4 / 215 .
( 2 ) بالنسبة للطب والكيمياء انظر : صلة عريب ( ص 89 ) والمنتظم 6 / 16 ، ومرت الإشارة إلى السحر في خبر ابن تيمية . وعن إحراز الباحثين العرب والمسلمين من القدماء لهذه الثقافات الواسعة نثبت هنا نصا نقله أستاذنا الدكتور محمد طه الحاجري في كتابه ( الجاحظ : حياته وآثاره دار المعارف 1962 ، ص 170 ، عن مجموعة برلين من مختارات ، الجاحظ : ورقة 75 ) وصف فيه الجاحظ أستاذه إبراهيم بن سيار النظام بأنه « كان فرضيا عروضيا ، وكان حاسبا منجما وكان نسابا وكان حافظا للقرآن العظيم وتفسيره وللتوراة والإنجيل والزبور وكتب الأنبياء . 
وكان قد عالج الكيمياء وعرف مذاهبها ، وكان أروى الناس لكلام الأوائل ولصنوف نحل الإسلام ، وأحسن الناس احتجاجا وأبلغهم عند الاحتجاج لسانا . . . وكان صاحب حديث عالما وكان له نسك ، وخالط الصوفية وأصحاب المضمار وعرف اختلافهم ، وكان يقول الشعر إذا أراده ، وكان يستخرج المعمى ، وكان حسن العلم بالنحو » .
( 3 ) انظر مروج الذهب للمسعودي 2 / 396 .
« 37 »وفي سنة 299 هـ / 911 - 12 م ، وفي أيام وزارة ابن الفرات ( علي بن محمد بن موسى ، الذي قتل مصادرا سنة 312 هـ / 924 م ) ، الأولى أحست الدولة بالجهد الذي يبذله الحلّاج في الثورة عليها « 1 » ، أو إسقاطها من الداخل ، وذلك حين وشى به رجل من أهل البصرة كان من أنصاره وانفصل عنه « 2 » ؛ فجدّت الشرطة في البحث عنه دون جدوى ودامت المطاردة سنتين .
وفي سنة 301 هـ / 913 - 14 م ، قبض السلطان على غلام للحلّاج يعرف بالدبّاس « وأطال حبسه وأوقع به مكروها وخلّاه بعد أن كفله وأحلفه أن يطلب الحلّاج ، وبذل له مالا وكان يجول البلاد خلفه » « 3 » .
وفي هذه السنة كشفت امرأة النقاب عن وجود الحلّاج في السوس وذكرت للشرطة أنه « قد نزل في دار رجل يعرف بالحلّاج وله قوم يصيرون إليه في كل ليلة خفية ويتكلمون بكلام منكر . . . « 4 » » . وكان أن قبض عليه أبو الحسن علي بن أحمد الراسبي « 5 » . ( ت 301 هـ / 913 م ) الذي كان يتقلد من حدّ واسط إلى حد شهرزور وكورتين من كور الأهواز : جنديسابور والسوس ، وبادرايا وباكسايا « 6 » ؛ فكانت السوس ضمن أعماله .
ويبدو أن الراسبي سلم الحلّاج إلى حامد بن العباس ( الوزير الذي قتل الحلّاج في أيام وزارته ، وقتل هو مصادرا سنة 311 هـ / 924 م ) ، الذي كان يومئذ يلي واسطا ، وواجه الحلّاج عند محاكمته بقوله : « ألست تعلم أني قبضت عليك بدور الراسبي وأحضرتك ؛ فكيف ادّعيت بعدي الإلهية ؟ « 7 » » .
مهما يكن الأمر فقد قبض على الحلّاج في هذه المواضع ، ومعه أخو زوجته وانتهى الأمر بأن « حمل فأدخل مدينة السلام ( بغداد ) على جمل ومعه
..................................
( 1 ) انظر إشارة ابن النديم السابقة .
( 2 ) كتاب العيون والحدائق لمجهول ، على هامش تجارب الأمم ، 1 / 86 .
( 3 ) الفهرست ص 27 .
( 4 ) أيضا ، ص 284 .
( 5 ) المنتظم 6 / 162 . وقد ذكر ابن الجوزي قبل ذلك أن الذي قبض على الحلّاج هو عبد الرحمن خليفة علي بن أحمد الراسبي ، أي نائبه أو وكيله بلغة عصرنا ( 6 / 122 ) .
( 6 ) معجم البلدان لياقوت الحموي ، مادة « دور راسب » .
( 7 ) أربعة نصوص ، النص الأول ، ص 7 .

« 38 »
غلام له على آخر مشتهرين ونودي عليه : هذا أحد القرامطة فاعرفوه ، وحبس » « 1 » . وكانت القرمطة تهمة ليس عليها دليل مادي ، والظاهر أنها كانت أسرع التهم إلى الأفواه وأسهلها تسويفا ؛ فقد كان القرامطة أعداء العصر وكانت القرمطة تهمة العصر « 2 » .........................................
( 1 ) المنتظم 6 / 115 .
( 2 ) لقد كانت الدولة العباسية تخشى القرامطة إلى حدّ فقدت معه صوابها معهم ، ومن هنا لما هزم القرامطة سنة 291 هـ - 903 - 4 م وأسر منهم جماعة فيهم قائد لهم يسمى زكرويه ويلقب بصاحب الشامة ، تفنن المكتفي الخليفة في إهانته ورسم الخطط لقتله أفظع قتلة . 
وانتهى الأمر بأن « دخل المكتفي بغداد ، والأسرى بين يديه مقيّدون ورئيس القوم قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام ! » ( المنتظم 6 / 23 ) ، ولم يكتف المكتفي بذلك بل أمر « ببناء دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي ارتفاعها عشرة أذرع وبني لها درج . فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول ، أمر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة ، فحضرها الناس . 
وجئ بالأسرى - وهم يزيدون على ثلاثمائة - وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة فصعد به إلى الدكة وقدم له أربعة وثلاثون من الأسرى ، فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم واحدا بعد الآخر . ثم قدم كبيرهم فضرب مائتي سوط وقطعت يداه ورجلاه وكوي بالنار ثم أحرق ورفع رأسه على خشبة . ثم قتل الباقون وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى » ( المنتظم 6 / 23 ) .
وهذا نموذج من المثلة التي عاناها الحلّاج كلها كما يأتي .
والمهم أن الإسماعيليين أو الفاطميين - وكانوا أولياء القرامطة ومحركيهم - ذكروا هذا الحادث ونصوا على أن المقبوض عليه كان « أبا مهزول بن أبي محمد » وأنه وأخويه كانوا ينوون اغتيال الإمام لعزله إياهم عن قيادة الدعوة بعد موت أبيهم سنة 290 هـ - 902 - 3 م . 
وجاء الخبر هكذا : « ولما رجع القرمطي إلى بغداد شهر ونودي عليه ونصبت الدكة للمعتضد ( الصحيح المكتفي ) وفرش له البرمية حتى يشرف على قتله وهو يضرب بالسوط ، فقد كانوا يقولون : من أنت ؟ وأيش أنت أصلك ؟ ولمن كنت تدعو ؟ 
فقال لهم : ما أنا من أهل الرياسة ولا من أهل القرمطة ، إنما أمرني بالخروج رجل ، وهو فلان بن فلان من مدينة سلمية يعني المهدي عليه السلام - وهو من صفته كذا وكذا بصفته . وكتب صفته على ما وصف الملعون . 
ثم مات - لعنه اللّه - بالعذاب وأحرق بالنار » ( استتار الإمام : مذكرات في حركة المهدي الفاطمي لأحمد بن إبراهيم النيسابوري ، من إسماعيلية القرنين الثالث والرابع الهجريين / التاسع والعاشر الميلاديين ، نشر ، إيقانوف ، مجلة كلية الآداب ، ( القاهرة ، ديسمبر 1938 م ، ص 106 ) . وكان من رواج هذه التهمة في ذلك الوقت وبعده بقليل أن ابن الفرات ، الوزير الذي أمر بإلقاء القبض على الحلّاج لأول مرة ، قد اتهم بالقرمطة لما صودر - 
يتبع

تابع قناة تجليات في واتساب وتلجرام: 
 👇👇👇👇
 شربنا كأس من نهوى جهارا فصرنا بعد رؤيته حيارى قبس من الحب https://whatsapp.com/channel/0029VafyIYC8aKvG18G5he11
 https://t.me/Tagleiatsofia